هو : من آمن ، إذن ، فعندي حدث وفاعل الحدث ، فساعة تسمع استثناء تقول :
هذا الاستثناء صالح أن يكون للحدث ، وصالح أن يكون لفاعل الحدث ، كلمة
« فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا »
تعنى : فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ؛ لأنهم يؤمنون قليلا بالصلاة ، وبأنهم لا يعملون يوم السبت ، أما بقية مطلوبات الإيمان فليست في بالهم ولا يؤدونها ، أو فلا يؤمنون إلا قليلا فقد يكون بعض منهم هو الذي يؤمن ، وهذا صحيح عندما نقوله ؛ لأن بعضا منهم آمن بالفعل ، ونجد أيضا أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، فيكون إيمانهم قليلا بالحدث نفسه .
وهناك أناس منهم بعد ما جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتلى القرآن ورأوا صورته فوجدوه مثلما وصف عندهم تماما فآمنوا ، ولكن هل آمن كل يهود ، أو آمن قليل منهم ؟ آمن قليل منهم مثل : عبد اللّه بن سلام ، وكعب الأحبار ، إنما عبد اللّه بن صوريا ، وكعب بن أسد ، وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود فلم يؤمنوا .
إذن فإن أردت أن بعضا « قليلا منهم » هو الذي آمن فهذا صحيح ، ويصح أيضا أن الكافرين منهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، وفي ذلك تعبير من الحق سبحانه وتعالى نسميه « صيانة الاحتمال » ؛ لأن القرآن ساعة ينزل بمثل هذا القول فمن الجائز - وهذا ما حدث - أن هناك أناسا من اليهود يفكرون في أنهم يعلنون الإيمان برسول اللّه ، فلو قال :
« فَلا يُؤْمِنُونَ »
فقط لكان من الصعب عليهم أن يعلنوا الإيمان - لكن عندما يقول :
« إِلَّا قَلِيلًا »
فالذي عنده فكرة عن الإيمان يعرف أن الذي يخبر هذا الإخبار عالم بدخائل النفوس ، فصان بالاحتمال إعلان هؤلاء القلة للإيمان .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 )