تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2120

مساهمون:

ص٢١٢٠
الأمارة بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أحاه ، ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين ، وبعد ما أخذ شهوته من القتل ندم ، ويأتي هذا الندم على لسانه :
يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
( من الآية 31 سورة المائدة ) أنت الذي قتلته ، لكنك أصبحت من النادمين . لماذا ؟ لأن ملكات الخير دائما تصعد عمل الخير وتحبط عمل الشر . والإنسان قد يبدأ شريرا ، وإن كانت ملكاته ملكات خير غالبة ، فهو ينزل من هذا الشر العالي ويخففه ، وإن كانت ملكات الشر غالبة فهو يبدأ في الشر قليلا ثم يصعده ، فيقول في نفسه : فلان فعل فىّ كذا وأريد أن أصفعه صفعة ، وبعد ذلك قد يرفع من شره فيقول : « أو أضربه ضربة » . لكن إذا ما كان الإنسان خيّرا ، فيقول : « فلان كاد لي ، أريد أن أضربه رصاصة أو أضربه صفعتين أو أوبخه » إنه ينزل من الشر ويصعد من الخير . كما في قصة سيدنا يوسف وإخوته حين قالوا :
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 ) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
( 10 ) ( سورة يوسف ) إنهم أسباط ، وأولاد النبي يعقوب ، فيقللون من الشر ، يخففونه مباشرة قائلين :
« أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً »
يعنى يلقونه في أرض بعيدة ، إذن فخففوا القتل في نفس واحد ، كيف تم هذا الانتقال من القتل إلى اطرحوه أرضا ؟ ثم خففوا الأمر ثانية حتى لا يأكله سبع أو يتوه ، فقالوا :
« وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ » .