ونحن حين نقرأ كلمة « لا يكلم فلان فلانا » نستشعر منها الغضب ؛ لأن الكلام في البشر هو وسيلة الأنس ، فإذا ما امتنع إنسان عن كلام إنسان ، فكأنه يبغضه ويكرهه . إذن
« لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ »
معناها أنه يبغضهم ، وحسبك بصدود اللّه عن خلقه عقابا وعذابا . لقد والاهم بالنعمة وبعد ذلك يصد عنهم . ويقول قائل :
كيف نقرأ هنا أن الحق لا يكلمهم ، وهو سبحانه القائل :
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
( 108 )
( سورة المؤمنون )
نقول : صحيح أنه سبحانه يقول لهم :
« لا تُكَلِّمُونِ »
ولكن الكلام حين ينفى من اللّه فالمقصود به هو كلام الحنان وكلام الرحمة وكلام الإيناس واللطف ، أما كلام العقوبة فهو اللعنة . إذن
« لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ »
أي لا يكلمهم الحق وصلا للأنس .
ولذلك حين يؤنس اللّه بعض خلقه يطيل معهم الكلام . ومثال ذلك عندما جاء موسى لميقات ربه ، ماذا قال اللّه له ؟
قال عز وجل :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
( 17 )
( سورة طه )
فهل معنى هذا السؤال أن اللّه يستفهم من موسى عما بيده ؟ . إنه سؤال الإيناس في الكلام حتى يخلع موسى من دوامة المهابة .
وضربنا مثلا لذلك - وللّه المثل الأعلى - حينما يذهب شخص إلى بيت صديقه ليزوره ، فيأتي ولده الصغير ومعه لعبة ، فيقول الضيف للطفل : ما الذي معك ؟ إن الضيف يرى اللعبة في يد الطفل ، لكن كلامه مع الطفل هو للإيناس . وعندما جاء