تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 720

مساهمون:

ص٧٢٠
فإن اتسعت لكما كمية الماء معا فأهلا وسهلا ، وإن لم تتسع ، فصاحب الملكية أولى بالماء ، ولا يقولن هذا الآخر : « أنا مضطر لأن آخذها منه » . إن اضطراره سيدفع عنه المضرة ويوقعها في غيره . إذن ، فالمقاييس عند الضرورة تظل كما هي ، فلا بد من احترام الحق والسبق ، ولا يصح أن نتجاوز بالضرورة قدرها ، هذا معنى قوله :
« فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ »
، وقوله الحق :
« فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ »
يدل على أن المسألة فيها إثم أباحها اللّه عز وجل للضرورة ؛ وذلك حتى لا نحلها تحليلا دائما ، فإذا ما زالت الضرورة عدنا إلى أصل الحكم . ويختم الحق الآية بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
ونتساءل : ما علاقة
« غَفُورٌ رَحِيمٌ »
بهذه الآية ؛ إن المغفرة والرحمة تقتضيان ذنوبا ، وما سبق كله هو قول الحق وتشريعه ، وتحريم الميتة إلا عند الضرورة هو كلام الحق ، والمضطر حين يأخذ منها على قدر الضرورة فإنما هو إباحة من الحق ، فلا ذنب - إذن - يقتضى تذييل الآية بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
؟ . ونقول : إذا كان اللّه يغفر مع الذنب ، أفلا يغفر مع الضرورة التي شرع لها الحكم ، إن المنطق يقول : إن اللّه يغفر الذنب الذي يحدث بلا مناسبة تستدعيه ، أفلا يغفر للمضطر الذي أجبرته الظروف على أكل الميتة ؟ . إن اللّه غفور في الأصل ، أفلا يغفر لمن أعطاه رخصة ؟ إذن فهو غفور رحيم ، ولن يكتب على المضطر ذنبا من جراء اضطراره . إن رحمة اللّه التي تغفر للعاصي الذي اجترأ على الحق بلا مناسبة ، هو سبحانه الذي كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار .