علما على تلك الكتب وجاءت إلى لغتنا . ولا تظنوا أن القرآن ما دام قد نزل عربيا فكل ألفاظه عربية ، لا . صحيح أن القرآن عربى ، وصحيح أيضا أنه قد جاء وهذه الألفاظ دائرة على لسان العرب ، وإذا تم النطق بها يفهم معناها .
والمثال على ذلك أننا في العصر الحديث أدخلنا في اللغة كلمة « بنك » وتكلمنا بها ، فأصبحت عربية ؛ لأنها تدور على اللسان العربي ، فمعنى أن القرآن عربى أن اللّه حينما خاطب العرب خاطبهم بألفاظ يفهمونها ، وهي دائرة في ألسنتهم ، وإن لم تكن في أصلها عربية . وحينما تكلم الحق عن التوراة والإنجيل وقال : إن القرآن جاء مصدقا لهما قال - جل شأنه - :
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
( 4 )
( سورة آل عمران )
فأي ناس هؤلاء الذين قال عنهم :
« هُدىً لِلنَّاسِ »
؟ لا شك أنهم الناس الذين عاصروا الدعوة لتلك الكتب . وإذا كان القرآن قد جاء مصدقا لما في التوراة والإنجيل ألا تكون هذه الكتب هداية لنا أيضا ؟ نعم هي هداية لنا ، ولكن الهداية إنما تكون بتصديق القرآن لهما ، حتى لا يكون كل ما جاء فيهما ومنسوبا إليهما حجة علينا . فالذي يصدقه القران هو الحجة علينا ، فيكون
« هُدىً لِلنَّاسِ »
معناها :
الذين عاصروا هذه الديانات وهذه الكتب ، ونحن مؤمنون بما فيها بتصديق القران لها .
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى :
« وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ »
يدل على أن الكتاب - أي القرآن - سيعاصر مهمة صعبة ؛ فكلمة « الفرقان » لا تأتى إلا في وجود معركة ، ونريد أن نفرق بين أمرين : هدى وضلال ، حق وباطل ، شقاء وسعادة ، استقامة وانحراف ، إذن فكلمة « الفرقان » تدل على أن القران إنما جاء ليباشر مهمة صعبة وهو أنّه يفرق بين الخير والشر ، وما دام يفرق بين الخير والشر إذن ففيه خير وله معسكر ، وفيه شرّ وله معسكر ، إذن ففيه فريقان . ويأتي للفريق الذي يدافع عن الحق نضالا وجهادا بما يفرق له ويميز به بين الحق والباطل ويختم الحق هذه الآية