التي تريد أن تحول العزم إلى حيز السلوك والانفعال النزوعى ؛ فالمسألة تحتاج منك إلى تدريب ، ومثال ذلك ، عندما يذنب واحد في حقك فلك أن ترد عليه الذنب بالذنب ، ولك أن تكظم الغيظ ، لكن يظل الغيظ موجودا وأنت تحبسه ، ولك أن تعفو .
لكن ماذا عن مثل هذا الأمر بالنسبة للخالق الذي له كمال القدرة ؟ إن اللّه قد لا يعذب العبد المذنب ولكنه قد يظل غاضبا عليه ، ومن منا قادر على أن يتحمل غضب الرب ؟ لذلك نطلب المغفرة ، ونقول :
« وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا »
فنحن ندعوه سبحانه ألا يدخلنا في الذنب الذي يؤدى إلى غضبه - والعياذ باللّه - علينا . فالعفو هو أن نرتكب ذنبا ونطلب من اللّه المغفرة ، ولكن الرحمة هي الدعاء بألا يدخلنا في الذنب أصلا .
وعندما يقول الحق :
« أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
فهذا اعتراف بعبوديتنا له ، وأنه الحق خالقنا ومتولى أمورنا وناصرنا ، وما دام الحق هو ناصرنا ، فهو ناصرنا على القوم الكافرين ؛ فكان ختام سورة البقرة منسجما مع أول سورة البقرة في قوله :
« ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »
.
في أول السورة ضرب اللّه المثل بالكافرين والمنافقين . . وفي ختامها يقول الحق دعاء على لسان المؤمنين :
« فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
هذا القول يدل على استدامة المعركة بين الإيمان والكفر ، وأن المؤمن يأخذ أحكام اللّه دائما لينازل بها الكفر أيان وجد ذلك الكفر ، ويثق المؤمن تمام الثقة أن اللّه متوليه ؛ لأن اللّه مولى الذين آمنوا ، أما الكافرون فلا مولى لهم . فإذا كان اللّه هو مولى المؤمن ، وإذا كان الكافر لا مولى له ، فمعنى ذلك أنه يجب أن تظل المعركة بين المؤمن والكافر قائمة ، بحيث إذا رأى المؤمن اجتراء على الإسلام في أي صورة من صوره فليثق بأن اللّه ناصره ، وليثق بأن اللّه معه ، وليثق المؤمن أن اللّه لا يطلب منه إلا أن ينفعل بحكمه وتأييده بالنصر ؛ لأنه هو الذي يغلب فهو القائل جل وعلا :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ »
.