إن الهاجس هو الخطرة التي تخطر دفعة واحدة ، أما الخاطر فهو يخطر . . أي يسير في النفس قليلا ، وأما حديث النفس فإن النفس تظل تتردد فيه ، وأما الهم فهو استجماع الوسائل ، وسؤال النفس عن كل الوسائل التي ينفذ بها الإنسان رغباته ، أما العزم ( القصد ) فهو الوصول إلى النهاية والبدء في تنفيذ الأمر .
والقصد هو الذي يعنى به قوله تعالى :
« وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ »
وقد وجدنا كثيرا من العلماء قد وقفوا عند هذا القول وتساءل بعض من العلماء : هل الآية التي جاءت بعد ذلك والتي يقول فيها :
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها »
هل هي نسخ للآية السابقة عليها ؟
ولكن نحن نعرف أن الآية هي خبر ، والأخبار لا تنسخ إنما الأحكام هي التي يتم نسخها ، وعلى ذلك يكون القصد والعزم على تنفيذ الأمر هو المعنى بقوله الحق :
« وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ »
فهذا هو الذي يحاسبنا اللّه عليه .
وعندما يقول الحق سبحانه :
« فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ »
فمن هم ؟ لقد بين اللّه من يشاء المغفرة لهم ، إنهم الذين تابوا ، وهم الذين أنابوا إلى اللّه ، هم الذين قال فيهم الحق :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 70 )
( سورة الفرقان )
وتبديل المغفرة حسنة مسألة يجب أن يقف عندها الإنسان المكلف من اللّه وقفة ليرى فضل اللّه ، لأن الذي صنع سيئة ثم آلمته ، فكما آلمته السيئة التي ارتكبها وحزن منها ، فإن اللّه يكتب له حسنة . ولكن الذي لم يصنع سيئة لا تفزعه هذه ، وبعض العارفين يقول : ربّ معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا .
إنك لتجد الخير الشائع في الوجود كله ربما كان من أصحاب الإسراف على أنفسهم في شئ ما قد اقترفوه وتابوا عنه ولكنه لا يزال يؤرقهم .