لتضاف إلى ميزاننا ، إذن فالطمأنينة جاءت من طرفين : طمأننا الحق على ما فعلناه من خير ، فلا ينسى أنه يدخل في حسابنا ، وطمأننا أيضا على ما أصابنا من شر الأشرار ، وسيأخذ الحق من حسناتهم ليضيفها لنا .
ونحن نجد في الكون كثيرا من الناس قد يحبهم اللّه لخصلة من خصال الخير فيهم ، وقد تكون هذه الخصلة الخيّرة خفيّة فلا يراها أحد ، لكن اللّه الذي لا تخفى عليه خافية يرى هذه الخصلة في الإنسان ، ويحبه اللّه من أجلها ، ويرى الحق أن حسنات هذا الرجل قليلة ، فيجعل بعض الخلق يصيبون هذا الرجل بشرورهم وسيئاتهم حتى يأخذ من حسنات هؤلاء ليزيد في حسنات هذا الرجل .
ومعنى
« تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ »
أي تصيروا الوجدانيات إلى نزوعيات عملية ، ولكن هل معنى
« أَوْ تُخْفُوهُ »
هو ألا تصيروا الوجدانيات النفسية إلى نزوعيات عملية ؟ لا ، فليس لكل شئ نزوع عملي ، ومثال ذلك الحب ؛ إن الإنسان قد يحب ، ولا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع أنه محترق في حبه ، وكذلك الذي يحقد قد لا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع عن حقده ، إذن فهناك أعمال تستقر في القلوب ، فهل يؤاخذ اللّه بما استقر في النفوس ؟
إن هذه المسألة تحتاج إلى دقة بالغة ؛ لأننا وجدنا بعضا من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد وقفوا فيها موقفا أبكى بعضهم ، هذا عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما حينما سمع هذه الآية قال : لئن آخذنا اللّه على ما أخفينا في نفوسنا لنهلكن . وبكى حتى سمع نشيجه بالبكاء . وبلغ ذلك الأمر ابن عباس فقال :
يرحم اللّه أبا عبد الرحمن لقد وجد إخوانه المسلمون مثلما وجد من هذه الآية . فأنزل اللّه بعدها
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها »
إلى آخر السورة .
ولنعلم أن نوازع النفس كثيرة ؛ فهناك شئ اسمه « هاجس » وهناك شئ آخر اسمه « خاطر » وهناك ما يسمى « حديث نفس » ، وهناك « هم » وهناك « عزم » ، إنها خمس حالات ، والأربع الأولى من هذه الحالات ليس فيها شئ ، إنما الأخيرة التي يكون فيها القصد واضحا يجب أن نتنبه لها ولنتناول كل حالة بالتفصل .