إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 )
( سورة الحجر )
فمعنى ذلك أنه سبحانه سيطلق فيه قضايا ، وهذه القضايا هو الذي تعهد بحفظها ، ولا يتعهد بحفظها إلا لتكون حجة على صدقه في قولها . فالشىء الذي لا يكون فيه حجة لا نحافظ عليه . وهو سبحانه القائل :
وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
( 173 )
( سورة الصافات )
إن هذه قضية قرآنية تعهد اللّه بحفظها ، فلا بد أن يأتي واقع الحياة ليؤيدها ، فإذا كان واقع الحياة لا يؤيدها ، ماذا يكون الموقف ؟ أنكذب القرآن - وحاشانا أن نكذب القرآن - الذي قاله الحق الذي لا إله سواه ليدير كونا من ورائه .
« يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ »
. ولماذا قال الحق : « كفار » ولم يقل : « كافر » ، ولماذا قال : « أثيم » وليس مجرد « آثم » ؟ لأنه يريد أن يرد الحكم على اللّه وما دام يريد أن يرد الحكم على اللّه ، فقد كفر كفرين اثنين : كفر لأنه لم يعترف بهذه ، وكفر لأنه ردّ الحكم على اللّه ، وهو « أثيم » ، ليس مجرد « آثم » ، وفي ذلك صيغة المبالغة لنستدل على أن القضية التي نحن بصددها قضية عمرانية اجتماعية كونية ، إن لم تكن كما أرادها اللّه فسيتزلزل أركان المجتمع كله .
وبعد أن شرح لنا الحق مرارة المبالغة في « كفار » وفي « أثيم » يأتي لنا بالمقابل حتى ندرك حلاوة هذا المقابل ، ومثال ذلك ما يقوله الشاعر :
فالوجه مثل الصبح مبيضّ * والشعر مثل الليل مسودّ
ضدّان لما استجمعا حسنا * والضد يظهر حسنه الضدّ
فكأن اللّه بعد أن تكلم عن الكفّار والأثيم يرجعنا لحلاوة الإيمان فيقول :