ساعة أن نسمع « جارا ومجرورا » قد استهلت به آية كريمة فنعلم أن هناك متعلقا . ما هو الذي للفقراء ؟ هو هنا النفقة ، أي أن النفقة للفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه . وإذا سألنا : ما معنى « أحصروا » فإننا نجد أن هناك « حصر » وهناك « أحصر » وكلاهما فيه المنع ، إلا أن المنع مرة يأتي بما لا تقدر أنت على دفعه ، ومرة يأتي بما تقدر على دفعه .
فالذي مرض مثلا وحصر عن الضرب في الأرض ، أكانت له قدرة أن يفعل ذلك ؟ لا ، ولكن الذي أراد أن يضرب في الأرض فمنعه إنسان مثله فإنه يكون ممنوعا ، إذن فيئول الأمر في الأمرين إلى المنع ، فقد يكون المنع من النفس ذاتها أو منع من وجود فعل الغير ، فهم أحصروا في سبيل اللّه . حصروا لأن الكافرين يضيقون عليهم منافذ الحياة ، أو حصروا أنفسهم على الجهاد ، ولم يحبوا أن يشتغلوا بغيره ؛ لأن الإسلام كان لا يزال في حاجة إلى قوم يجاهدون . وهؤلاء هم أهل الصّفة
« لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ »
وعدم استطاعتهم ناشىء من أمر خارج عن إرادتهم أو من أمر كان في نيتهم وهو أن يرابطوا في سبيل اللّه ، هذا من الجائز وذاك من الجائز .
وكان الأنصار يأتون بالتمر ويتركونه في سبائطه ، ويعلقونه في حبال مشدودة إلى صوارى المسجد ، وكلما جاع واحد من أهل الصّفّة أخذ عصاه وضرب سباطة التمر ، فينزل بعض التمر فيأكل ، وكان البعض يأتي إلى الردىء من التمر والشيص ويضعه ، وهذا هو ما قال اللّه فيه :
« وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ »
.
وإذا نظرنا إلى قول الحق :
« لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ »
و « الضرب » هو