ولقائل أن يقول : ما دام اللّه هو الذي يهدى فيجب أن نترك الناس على ما هم عليه من إيمان أو كفر ، وما علينا إلا البلاغ ، ونقول لأصحاب هذا الرأي : تنبهوا إلى معطيات القرآن فيما يتعلق بقضية واحدة ، هذه القضية التي نحن بصددها هي الهداية ، ولنستقرئ الآيات جميعا ، فسنجد أن الذين يرون أن الهداية من اللّه ، وأنه ما كان يصح له أن يعذب عاصيا ، لهم وجهة نظر ، والذين يقولون : إن له سبحانه أن يعذبهم ؛ لأنه ترك لهم الخيار لهم وجهة نظر ، فما وجهة النظر المختلفة حتى يصير الأمر على قدر سواء من الفهم ؟
إن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم في قرآنه الكلام الموحى ، فهو يطلب منا أن نتدبره ، ومعنى أن نتدبره ألا ننظر إلى واجهة النص ولكن يجب أن ننظر إلى خلفية النص .
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ »
يعنى لا تنظر إلى الوجه ، ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو الخلف .
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
( من الآية 82 سورة النساء )
فالحق سبحانه وتعالى قد قال :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
( من الآية 17 سورة فصلت )
كيف يكون اللّه قد هداهم ، ثم بعد ذلك يستحبون العمى على الهدى ؟ إذن معنى « هداهم » أي دلّهم على الخير . وحين دلهم على الخير فقد ترك فيهم قوة الترجيح بين البدائل ، فلهم أن يختاروا هذا ، ولهم أن يختاروا هذا ، فلما هداهم اللّه ودلّهم استحبوا العمى على الهدى . واللّه يقول لرسوله في نصين آخرين في القرآن الكريم :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
( من الآية 56 سورة القصص )