تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1176

مساهمون:

ص١١٧٦
فنفى عنه أنه يهدى . وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى يقول فيها :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( من الآية 52 سورة الشورى ) فكيف يثبت اللّه فعلا واحدا لفاعل واحد ثم ينفى الفعل ذاته عن الفاعل ذاته ؟ نقول لهم : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليه أن يدل الناس على منهج اللّه . ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج اللّه ؛ لأن ذلك ليس من عمله هو ، فإذا قال اللّه :
« إِنَّكَ لا تَهْدِي »
أي لا تحمل بالقسر والقهر من أحببت ، وإنما أنت « تهدى » أي تدل فقط ، وعليك البلاغ وعلينا الحساب . إذن فقول الحق :
« لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
ليس فيه حجة على القسرية الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج اللّه ونقول لهؤلاء : فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة ، فاللّه يهدى المؤمن ويهدى الكافر أي يدلهم ، ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة ، ويهديه هداية التوفيق ، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة عليه .
« لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ »
تلك قضية تعالج الشح منطقيا ، وكل معط من الخلق عطاؤه عائد إليه هو ، ولا يوجد معط عطاؤه لا يعود عليه إلا اللّه ، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه ، لأنه - سبحانه - أزلا وقديما وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات الكمال ، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا . ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية : ما فعلت لأحد خيرا قط ؟ فقيل له : أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا ؟ فقال : إنما فعلته لنفسي . فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه . ولقد قلنا سابقا : إن العارف باللّه « الحسن البصري » كان إذا دخل عليه من يسأله هشّ في وجهه وبشّ ، وقال له : مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة .