والخلاف الثاني في الآيتين هو في جوابهم على كلام الحق ، ففي هذه السورة - سورة البقرة - قالوا :
« بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا »
وهذا القول فيه مؤاخذة لهم .
لكنهم في سورة المائدة قالوا :
« حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا »
، وهذه تعنى أنهم اكتفوا بما عندهم ؛ ونفوا اتباع منهج السماء ، وهذا الموقف أقوى وأشد نفيا ، لذلك نجد أن الحق لم يخاطبهم في هذه الآية ب
« اتَّبِعُوا »
بل قال لهم :
« تَعالَوْا »
أي ارتفعوا من حضيض ما عندكم إلى الإيمان بمنهج السماء . ومادمتم قد قلتم : حسبنا بملء الفم ؛ فهذا يعنى أنكم اكتفيتم بما أنتم عليه .
وكلمة
« حَسْبُنا »
فيها بحث لطيف ؛ لأن من يقول هذه الكلمة قد حسب كلامه واكتفى ، وكلمة الحساب تدل على الدقة ، والحساب يفيد العدد والأرقام .
فقولهم :
« حَسْبُنا »
تعنى أنهم حسبوا الأمر واكتفوا به ونجد كل ورود لهذه الكلمة في القرآن يفيد أنها مرة تأتى لحساب الرقم المادي ، ومرة تأتى لحساب الإدراك الظني .
فالحق يقول :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
( 2 )
( سورة العنكبوت )
ومعناها : هل ظن الناس أن يتركوا دون اختبار لإيمانهم ؟ . هذا حساب ليس بالرقم ، وإنما حساب بالفكر ، والحساب بالفكر يمكن أن يخطئ ، ولذلك نسميه الظن .
والحق سبحانه يقول :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
( 115 )
( سورة المؤمنون )
إذن ، فكلمة « حساب » تأتى مرة بمعنى الشئ المحسوب والمعدود ، ومرة تأتى في