وصحيح أن من يسعى بين الصفا والمروة لا يدور ، ولكنه سيذهب من الصفا إلى المروة ثم ينقلب عائدا إلى الصفا ، ثم منها إلى المروة ، وهكذا يصير الأمر طوافا .
ومثال آخر من حياتنا اليومية ، إن الشرطي الذي يطوف لحراسة الشوارع والمنازل بالليل ، قد يلف المدينة كلها ، ويمكن أن يلف شارعا واحدا هو مكان حراسته ، هذا الدوران في الشارع من أوله إلى آخره عدة مرات يسمى طوافا بينهما ، وهكذا نفهم معنى
« يَطَّوَّفَ بِهِما »
، أي يمشى بينهما عدة مرات من بداية إلى نهاية .
وهكذا نجد أن السعي بين الصفا والمروة هو جزء من شعائر الحج والعمرة .
ونجد أن الفرضية في الحج والعمرة أساسية ، والتطوع بتكرار الحج والعمرة هو خير .
« وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ »
وهذا القول يقتضى أن نفهم أن الشاكر أصابته نعمة من المشكور ، فما الذي أصاب الحق هنا من تكرار الحج ؟ .
إن المؤمن عندما يؤدى ما افترضه اللّه عليه فهو يؤدى الفرض ، لكن عندما يزيد بالتطوع حبا في النسك ذاته فهذه زيادة يشكره اللّه عليها ، إذن فالشكر من اللّه عز وجل يفيد أن نعمة ستجىء ، والحق سبحانه وتعالى حين يفترض على عبد كذا من الفروض يلتزم العبد بذلك ، فإذا زاد العبد من جنس ما افترضه اللّه عليه ، فقد دل ذلك على حبه وعشقه للتكليف من اللّه ، وإذا ما أحب وعشق التكليف من اللّه بدون أن يطلبه اللّه منه ويلزمه به بل حببه إليه ، فهو يستحق أن يشكره اللّه عليه ، وشكر اللّه للعبد هو عطاء بلا نهاية .
ويقول الحق من بعد ذلك :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 159 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 )