واللعن بطرد وغضب وزجر يختلف عن اللعن التأديبى الذي يأخذ صيغة الإبعاد ، كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع المتخلفين في غزوة تبوك ، وغزوة تبوك كانوا يسمونها غزوة العسرة ، لأنها جاءت في مشقة من كل جهاتها ، لبعد المكان بين تبوك والمدينة ، ومشقة أخرى من نقص الدواب التي تحمل المقاتلين ، فقد كان كل عشرة من المقاتلين يتناوبون على دابة واحدة ، ومشقة وعسرة في الزاد ، حتى أنهم كانوا يأكلون التمر بدوده ، وكانوا « 1 » يأكلون الشحم والدهن والإهالة الزنخة ، وعسرة في الماء حتى أنهم كانوا يذبحون البعير ليشربوا من فرثه وكرشه الماء ، وعسرة في الجو القائظ الشديد الحرارة ، كانت كل الظروف صعبة وقاسية وتحتم ألا يخرج للغزوة إلا الصادق في يقينه .
لقد كانت تلك الغزوة اختبارا وابتلاء للايمانية في نفوس الناس . ولذلك فإن بعضهم استسلم لحديث النفس في أن يظل بالمدينة ، وقال واحد منهم : « أظل ظليل وراحة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في القيظ ؟ ! واللّه لا يكون هذا أبدا » ، ثم قام وتبع جيش المؤمنين ، وآخر عنده بستان فيه ظلال وثمار ؛ فنظر إلى بستانه وقال : « أأنت الذي منعتني أن أكون في ركاب رسول اللّه ؟ ! واللّه لا تكون ملكي بعد الآن ، وأنت لله في سبيل اللّه » ، وثالث جلس في بيته وأمامه زوجته الجميلة وحوله أشجار وزروع ، فقال : « أأجلس في ظل ورطب وماء وامرأة حسناء ورسول اللّه في حمارة القيظ ، واللّه لا يكون هذا أبدا » ، وامتطى حصانه إلى الصحراء لينضم لجيش المسلمين .
وعندما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منتصرا اعتذر له من لم يشاركوه رحلة النصر بأنهم كانوا لا يملكون وسائل الحرب من دواب ودروع وسيوف ونبال ، فقبل رسول اللّه علانيتهم وترك سرائرهم لله ، إلا ثلاثة صدقوا وقالوا : « يا رسول اللّه ما كنا أغنى منا ساعة امتنعنا عن الذهاب معك فعندنا عدة الحرب والدواب » .
هامش
( 1 ) إن هذا أمر نجده الآن في تدريب الفرق الخاصة في الجيوش ، إنهم يعودونهم ويدربونهم على أكل وشرب ما يجدونه من طعام أو شراب يحفظ حياتهم ، إذ قد يحدث ما يمنع إمدادهم بالطعام أو الشراب ، وذلك استبقاء لحياتهم ودفاعا عن أوطانهم .