تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أهلك كثيرا من القرى في حال كونها ظالمة : أي بسبب ذلك الظلم ، وهو الكفر باللّه وتكذيب رسله ، فصارت بسبب الإهلاك والتدمير ديارها متهدمة وآبارها معطلة ، لا يسقي منها شيء لإهلاك أهلها الذين كانوا يستقون منها . وهذا المعنى الذي ذكره تعالى في هذه الآية : جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ( 8 ) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً ( 9 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً
[ الطلاق : 8 - 10 ] وقوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
[ هود : 102 ] وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ، رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ صلى اللّه عليه وسلم
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
« 1 » إلى غير ذلك من الآيات ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
العروش السقوف والخاوية الساقطة ومنه قول الخنساء :
كان أبو حسان عرشا خوى * مما بناه الدهر دان ظليل
والمعنى : أن السقوف سقطت ثم سقطت عليها حيطانها على أظهر التفسيرات ، والقصر المشيد المطلي بالشيد بكسر الشين ، وهو الجص ، وقيل المشيد الرفيع الحصين . كقوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ النساء : 78 ] أي حصون رفيعة منيعة . والظاهر أن قوله :
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ
معطوف على قرية : أي وكأين من قرية أهلكناها ، وكم من بئر عطلناها بإهلاك أهلها ، وكم من قصر مشيد أخليناه من ساكنيه ، وأهلكناهم لما كفروا وكذبوا الرسل . وفي هذه الآية وأمثالها : تهديد لكفار قريش الذين كذبوه صلى اللّه عليه وسلم ، وتحذير لهم من أن ينزل بهم ما نزل بتلك القرى من العذاب لما كذبت رسلها .

تنبيه

يظهر لطالب العلم في هذه الآية سؤال : وهو أن قوله :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
يدل على تهدم أبنية أهلها ، وسقوطها وقوله :
وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
يدل على بقاء أبنيتها قائمة مشيدة . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الظاهر لي في جواب هذا السؤال : أن قصور القرى التي أهلكها اللّه ، وقت نزول هذه الآية منها ، هو متهدم كما دل عليه قوله :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
ومنها ما هو قائم باق على بنائه ، كما دل عليه قوله تعالى :
وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
وإنما استظهرنا هذا الجمع ، لأن القرآن دل عليه ، وخير ما يفسر به القرآن القرآن ، وذلك في قوله جل وعلا في سورة هود :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ
( 100 )
هامش
( 1 ) . أخرجه : البخاري في التفسير حديث 4686 ، ومسلم في البر والصلة حديث 61 .