يا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : الإشراك باللّه وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال : ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت » « 1 » ا ه وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإشراك به تعالى في قوله :
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
وكما أنه جمع بينهما هنا ، فقد جمع بينهما أيضا في غير هذا الموضع كقوله :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 33 ) [ الأعراف : 33 ] لأن قوله :
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 33 ) هو قول الزور .
وقد أتى مقرونا بقوله :
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
وذلك يدل على عظمة قول الزور ، لأن الإشراك باللّه قد يدخل في قول الزور ، كادعائهم الشركاء ، والأولاد للّه . وكتكذيبه صلى اللّه عليه وسلم فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإشراك باللّه . نعوذ باللّه من كل سوء .
ومعنى حنفاء : قد قدمناه مرارا مع بعض الشواهد العربية ، فأغنى عن إعادته هنا .
قوله تعالى :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 )
[ 31 ] .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أن من أشرك باللّه غيره أي ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك ، لا خلاص منه بوجه ولا نجاة معه بحال ، لأنه شبهه بالذي خر : أي سقط من السماء إلى الأرض ، فتمزقت أوصاله ، وصارت الطير تتخطفها وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق : أي محل بعيد لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة ، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له في نجاة ، فهو هالك لا محالة ، لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلا متمزق الأوصال ، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها ، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك باللّه وأنه لا يرجى له خلاص ، جاء موضحا في مواضع أخر كقوله :
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ
[ المائدة :
72 ] الآية . وكقوله :
قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
( 50 ) [ الأعراف : 50 ] وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
[ النساء : 48 ] الآية في الموضعين من سورة النساء ، والخطف الأخذ بسرعة والسحيق البعيد . ومنه قوله تعالى :
فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
( 11 ) [ الملك :
11 ] أي بعدا لهم .
وقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع بمن يشرك باللّه ، إنما هو في حق من مات على ذلك الإشراك ، ولم يتب منه قبل حضور الموت .
هامش
( 1 ) . أخرجه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه : البخاري في الشهادات حديث 2654 ، ومسلم في الإيمان حديث 143 .