تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم فطمأنينتهم بذلك قوية لأنها لم تتطرقها الشكوك ، ولا الشبه والوجل عند ذكر اللّه تعالى يكون بسبب خوف الزيغ عن الهدى ، وعدم تقبل الأعمال ، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
[ آل عمران : 8 ] وقال تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
( 60 ) [ المؤمنون : 60 ] وقال تعالى :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
[ الزمر : 23 ] ولهذا كان صلى اللّه عليه وسلم يقول في دعائه : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » « 1 » . قوله تعالى :
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
[ 36 ] . قد قدمنا أنه تعالى أمر بالأكل من بهيمة الأنعام : وهي الإبل والبقر والغنم بأنواعها الثمانية ، وأمر بإطعام البائس الفقير منها . وأمر بالأكل من البدن وإطعام القانع والمعتر منها ، وما كان من الإبل ، فهو من البدن بلا خلاف . واختلفوا في البقرة ، هل هي بدنة ، وقد قدمنا الحديث الصحيح : أن البقرة من البدن ، وقدمنا أيضا ما يدل على أنها غير بدنة ، وأظهرهما أنها من البدن ، وللعلماء في تفسير القانع والمعتر أقوال متعددة متقاربة أظهرها عندي : أن القانع هو الطامع الذي يسأل أن يعطى من اللحم ومنه قول الشماخ :
لمال المرء يصلحه فيغني * مفاقره أعف من القنوع
يعني أعف من سؤال الناس ، والطمع فيهم ، وأن المعتر هو الذي يعتري متعرضا للإعطاء من غير سؤال وطلب ، واللّه أعلم وقد قدمنا حكم الأكل من أنواع الهدايا والضحايا ، وأقوال أهل العلم في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا . قوله تعالى :
كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ 36 ] . قوله كذلك : نعت لمصدر : أي سخرناها أي البدن لكم تسخيرا كذلك : أي مثل ذلك التسخير الذي تشاهدون : أي ذللناها لكم ، وجعلناها منقادة لكم تفعلون بها ما شئتم من نحر وركوب ، وحلب وغير ذلك من المنافع ، ولولا أن اللّه ذللها لكم لم تقدروا عليها ، لأنها أقوى منكم ألا ترى البعير ، إذا توحش صار صاحبه غير قادر عليه ، ولا متمكن من الانتفاع به . وقوله هنا :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
قد قدمنا مرارا أن لعل تأتي في القرآن لمعان
هامش
( 1 ) . أخرجه عن أنس بن مالك : الترمذي في القدر حديث 2140 ، وابن ماجة في الدعاء حديث 3834 ، وأحمد في المسند 3 / 112 ، 257 ، وأخرجه عن أم سلمة : الترمذي في الدعوات حديث 3522 ، وأحمد في المسند 6 / 294 ، 302 ، 315 ، ورواه عن النواس بن سمعان : ابن ماجة في المقدمة حديث 199 ، وأحمد في المسند 4 / 182 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب التفسير 2 / 289 .