وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده ، ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن ، فلم ينفر إلى النفر الثاني ، حتى نفر من غد النفر الأول ، فلا إثم عليه ، لتكفير اللّه ما سلف من آثامه ، وإجرامه إن كان اتقى اللّه في حجه بأدائه بحدوده .
وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته : لتظاهر الأخبار ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » « 1 » وأنه قال « تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديث والذهب والفضة » « 2 » وساق ابن جرير رحمه اللّه بأسانيده أحاديث دالة على ذلك ففي لفظ له أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديث والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة » « 3 » وفي لفظ له ، عن عمر يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :
« تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث أو خبث الحديد » « 4 » وفي لفظ له عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قضيت حجّك فأنت مثل ما ولدتك أمك » « 5 » وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب مما ينبئ عن أن من حج ، فقضاه بحدوده على ما أمره اللّه ، فهو خارج من ذنوبه كما قال جل ثناؤه
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى
[ البقرة : 203 ] اللّه في حجه فكان في ذلك من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما يوضح أن معنى قوله جل وعز
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
أنه خارج من ذنوبه ، محطوطة عنه آثامه ، مغفورة أجرامه إلى آخر كلامه الطويل في الموضوع .
وقد بين فيه أنه لا وجه لقول من قال : إن المعنى لا إثم عليه في تعجله ولا إثم عليه في تأخره ، لأن التأخر إلى اليوم الثالث ، لا يحتمل أن يكون فيه إثم ، حتى يقال فيه
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
[ البقرة : 203 ] وأن قول من قال : إن سبب النزول أن بعضهم كان يقول : التعجل لا يجوز ، وبعضهم يقول : التأخر لا يجوز .
فمعنى الآية : النهي عن تخطئة المتأخر المتعجل كعكسه : أي لا يؤثمن أحدهما الآخر أن هذا القول خطأ ، لمخالفته لقول جميع أهل التأويل .
والحاصل : أنه أعني الطبري بين كثيرا من الأدلة على أن معنى الآية : هو ما ذكر من
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه .
( 2 ) . أخرجه عن ابن عباس النسائي في مناسك الحج ، باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة . وأخرجه عن عمر بن الخطاب ابن ماجة في المناسك حديث 2887 .
( 3 ) . أخرجه عن ابن مسعود : الترمذي في الحج حديث 810 ، والنسائي في مناسك الحج ، باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة .
( 4 ) . أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 2 / 180 .
( 5 ) . أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 2 / 180 .