وإذا علمت ممّا مرّ أنّ اللّبس الحرام على المحرم ، تجب به الفدية عند الشّافعية ، وأنّه لا فرق عندهم بين اللّحظة والزّمن الطويل ، فاعلم أنّ الأصحّ عندهم ، وبه جزم الأكثرون :
أنّ اللازم في ذلك هو فدية الأذى المذكورة في آية الفدية . ودليلهم القياس كما تقدم ، ولهم طريقان غير هذا في المسألة إحداهما ، وذكر أبو علي الطّبري في الإيضاح ، وآخرون من العراقيين أنّ في المسألة قولين :
أحدهما : أنّه كالمتمتع ، فيلزمه ما استيسر من الهدي فإن لم يجد فصيام عشرة أيّام كما هو معلوم .
والقول الثّاني : أنّه يلزمه الهدي فإن لم يجده قوّمه دراهم ، وقوّم الدّراهم طعاما ، ثمّ يصوم عن كل مدّ يوما .
الطّريق الثّانية : هي أنّ في المسألة عندهم أربعة أوجه أصحّها : أنّه كالحلق لاشتراكهما في التّرفّه .
والثّاني : أنّه مخيّر بين شاة ، وبين تقويمها ، ويخرج قيمتها طعاما ، ويصوم عن كل مدّ يوما .
الثّالث : تجب شاة ، فإن عجز عنها ، لزمه الطّعام بقيمتها .
والرّابع : أنّه كالمتمتع . ا ه من النّووي .
وقد علمت أنّ الصحيح عند الشّافعيّة : أنّ اللبس الحرام تلزم فيه فدية الأذى ، وهذا حاصل مذهب الشّافعي ، وأصحابه في المسألة ومذهب أحمد ، وأصحابه : أنّ الفدية تجب بقليل اللّبس وكثيره كمذهب الشّافعي . ويجوز عند الشّافعي ، وأصحابه : للرّجل المحرم ستر وجهه ، ولا فدية عليه ، بخلاف البياض الّذي وراء الآذان .
قال النّووي : وبه قال جمهو العلماء : يعني جواز ستر المحرم وجهه ، وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجوز كرأسه .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : وهذا القول الأخير أرجح عندي كما تقدّم ، لأنّ في صحيح مسلم في المحرم الّذي خرّ من بعيره ، فمات « ولا تخمروا وجهه ولا رأسه » وقد قدمنا أن العلة كونه يبعث ملبّيا . فدلّ هذا الحديث الصّحيح على أنّ إحرام الرّجل مانع من ستر وجهه ، وما أوّل به الشّافعية وغيرهم الحديث المذكور ، ليس بمقنع فلا يجوز العدول عن ظاهر الحديث إليه ، ولا عبرة بالأجلاء الّذين خالفوا ظاهره ، لأنّ السّنّة أولى بالاتّباع ، والآثار الّتي رووها عن عثمان وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، لا يعارض بها المرفوع الصّحيح واللّه أعلم .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 280
مساهمون: الشنقيطي
ص٢٨٠