والخلف من الصحابة ، فمن بعدهم ، على أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه . وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال : لا يجوز الإحرام مما فوق الميقات ، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه ، ويلزمه أن يرجع ، ويحرم من الميقات . وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله . انتهى كلام النووي .
وحجة من قال : إن الإحرام من الميقات أفضل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أحرم في حجته وعمرته من الميقات الذي هو ذو الحليفة ، وهذا مجمع عليه من أهل العلم ، وأحرم معه في حجه وعمرته أصحابه كلهم من الميقات ، وكذلك كان يفعل بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وجماهير العلماء ، وأهل الفضل فترك النبي صلى اللّه عليه وسلم الإحرام في مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وإحرامه من الميقات دليل واضح ، لا شك فيه أن السنة هي الإحرام من الميقات ، لا مما فوقه ، واحتج من قال :
يكون الإحرام مما فوق الميقات أفضل بما رواه أبو داود في سننه : حدثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فديك ، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن يحنّس ، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي ، عن جدته حكيمة عن أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم أنها سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول :
« من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة » شك عبد اللّه أيتهما قال : قال أبو داود : يرحم اللّه وكيعا أحرم من بيت المقدس ، يعني إلى مكة . انتهى من سنن أبي داود « 1 » . واحتج أهل هذا القول أيضا بتفسير عمر ، وعلي رضي اللّه عنهما لقوله
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] قالا :
إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، واحتجوا أيضا بما رواه مالك في الموطأ عن الثقة عنده أن عبد اللّه بن عمر : أهلّ من إيلياء « 2 » . وهي بيت المقدس ، ورد المخالفون استدلال هؤلاء بأن حديث أم سلمة : ليس بالقوي .
قال النووي في شرح المهذب : وأما حديث أم سلمة ، فرواه أبو داود ، وابن ماجة « 3 » ، والبيهقي « 4 » ، وآخرون وإسناده ليس بالقوي ، وبأن تفسير علي وعمر رضي اللّه عنهما للآية ، وفعل ابن عمر كلاهما مخالف لفعل النبي صلى اللّه عليه وسلم وأفعاله في حجته تفسير لآيات الحج . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « خذوا عني مناسككم » « 5 » وإحرامه من الميقات مجمع عليه .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر القولين عندي دليلا هو : الاقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ،
هامش
( 1 ) . كتاب المناسك حديث 1741 .
( 2 ) . أخرجه مالك في الحج حديث 26 .
( 3 ) . كتاب المناسك حديث 3001 .
( 4 ) . السنن الكبرى ، كتاب الحج 5 / 30 .
( 5 ) . سبق تخريجه .