قريشا لم تبن ما كان عن شمالهما من البيت ، وهو الحجر الذي عليه الجدار وأصله من البيت كما بينا ، ومما يدل على ذلك ما رواه الشيخان في صحيحيهما ، عن عائشة رضي اللّه عنها . قال البخاري في صحيحه : حدثنا عبد اللّه بن مسلمة عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد اللّه ، أن عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد اللّه بن عمر ، عن عائشة رضي اللّه عنها زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لها : « ألم تري قومك لمّا بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ فقلت : يا رسول اللّه ألا تردّها على قواعد إبراهيم ؟ قال : لولا حدثان قومك بالكفر ، لفعلت » قال عبد اللّه رضي اللّه عنه : لئن كانت عائشة رضي اللّه عنها سمعت هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما أرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم . وفي رواية عنها في صحيح البخاري قالت : « سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الجدر ، أمن البيت هو ؟ قال : نعم ، قلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال :
ألم ترى إنّ قومك قصّرت بهم النفقة ، قلت : فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال : فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية ، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت ، وأن ألصق بابه بالأرض » ا ه . والمراد بالجدر بفتح الجيم ، وسكون الدال المهملة هنا : الحجر . وفي رواية عنها رضي اللّه عنها في صحيح البخاري أيضا قالت : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لولا حداثة قومك بالكفر ، لنقضت البيت ، ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام ، فإن قريشا استقصرت بناءه ، وجعلت له خلفا » قال أبو معاوية : حدثنا هشام خلفا يعني : بابا . وفي رواية عنها فيه أيضا : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لها :
« يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية ، لأمرت بالبيت فهدم ، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض ، وجعلت له بابين ، بابا شرقيا ، وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم » فذلك الذي حمل ابن الزبير رضي اللّه عنهما على هدمه قال يزيد : وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه ، وأدخل فيه من الحجر ، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل قال جرير : فقلت له أين موضعه ؟ قال : أريكه الآن ، فدخلت معه الحجر ، فأشار إلى مكان ، فقال : ها هنا ، قال جرير : فحزرت من الحجر ستّة أذرع أو نحوها . انتهى من صحيح البخاري « 1 » وزيد المذكور هو ابن رومان وجرير هو ابن حازم ، وهما مذكوران في سند الحديث المذكور . وقال مسلم في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى ، أخبرنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة . عن أبيه عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لولا حداثة عهد قومك بالكفر ، لنقضت الكعبة ، ولجعلتها على أساس إبراهيم ، فإنّ قريشا حين بنت البيت استقصرت ولجعلت لها خلفا » . ا ه وقال النووي خلفا : أي بابا من خلفها ، وفي رواية عنها فيه أيضا : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا
هامش
( 1 ) . كتاب الحج حديث 1583 و 1584 و 1585 و 1586 .