تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
عليهم ، ولكنا رفعنا عن الكفار هذا العذاب الدنيوي لعدم تميزهم من المؤمنين ، كما بينه بقوله :
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ
الآية . ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس والضحاك وأبي مالك وابن أبزى ، وحاصل هذا القول أن كفار مكة لما قالوا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً
[ الأنفال : 32 ] الآية . أنزل اللّه قوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] ثم لما هاجر النّبي صلى اللّه عليه وسلم بقيت طائفة من المسلمين بمكة يستغفرون اللّه ويعبدونه ، فأنزل اللّه :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[ الأنفال : 33 ] . فلما خرجت بقية المسلمين من مكة أنزل اللّه قوله تعالى :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
[ الأنفال : 34 ] أي أي شيء ثبت لهم يدفع عنهم عذاب اللّه ، وقد خرج النّبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنون من بين أظهرهم ، فالآية على هذا كقوله
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ التوبة : 14 ] . الوجه الثالث : أن المراد بقوله :
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
كفار مكة ، وعليه فوجه الجميع أن اللّه تعالى يرد عنهم العذاب الدنيوي بسبب استغفارهم ، أما عذاب الآخرة فهو واقع بهم لا محالة فقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
أي في الدنيا في حالة استغفارهم ، وقوله
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
أي في الآخرة ، وقد كان كفارا في الدنيا . ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس . وعلى هذا القول فعمل الكافر ينفعه في الدنيا ، كما فسر به جماعة قوله تعالى :
وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
[ النور : 39 ] أي أثابه من عمله الطيب في الدنيا ، وهو صريح قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
[ هود : 15 ] الآية ، وقوله تعالى :
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ التوبة : 69 ] وقوله :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
[ الفرقان : 23 ] ، ونحو ذلك من الآيات يدل على بطلان عمل الكافر من أصله ، كما أوضحه تعالى بقوله :
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ التوبة : 69 ] فجعل كلتا الدارين ظرفا لبطلان أعمالهم واضمحلالها ، وسيأتي إن شاء اللّه تحقيق هذا المقام في سورة هود . الوجه الرابع : أن معنى قوله
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
أي يسلمون أي وما كان اللّه معذبهم ، وقد سبق في علمه أن منهم من يسلم ويستغفر اللّه من كفره ، وعلى هذا القول فقوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
، في الذين سبقت لهم الشقاوة كأبي جهل وأصحابه