تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
وقوله :
بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ المطففين : 14 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[ 17 ] الآية . أفرد في هذه الآية الضمير في قوله استوقد . وفي قوله ما حوله : وجمع الضمير في قوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
[ البقرة : 17 ] ، مع أن مرجع كل هذه الضمائر شيء واحد وهو لفظة الذي من قوله
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي
[ البقرة : 17 ] . والجواب عن هذا : أن لفظة الذي مفرد ومعناها عام لكل ما تشمله صلتها وقد تقرر في علم الأصول أن الأسماء الموصولة كلها من صيغ العموم ، فإذا حققت ذلك فاعلم أن إفراد الضمير باعتبار لفظة الذي وجمعه باعتبار معناها ، ولهذا المعنى جرى على ألسنة العلماء ، أن الذي تأتي بمعنى الذين ، ومن أمثلة ذلك في القرآن هذه الآية الكريمة ، فقوله كمثل الذي استوقد ، أي كمثل الذين استوقدوا بدليل قوله
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ
[ البقرة : 17 ] الآية . وقوله :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
[ الزمر : 33 ] . وقوله :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ
[ البقرة : 264 ] أي كالذين ينفقون بدليل قوله
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
[ البقرة : 264 ] . وقوله :
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
[ التوبة : 69 ] بناء على الصحيح ، من أن الذي فيها موصولة لا مصدرية . ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز :
يا رب عبس لا تبارك في أحد * في قائم منهم ولا في من قعد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد
وقول الشاعر وهو أشهب بن رميلة ، وأنشده سيبويه لإطلاق الذي وإرادة الذين :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد
وزعم ابن الأنباري أن لفظة الذي في بيت أشهب جمع ألذ بالسكون ، وأن الذي في الآية مفرد أريد به الجمع ، وكلام سيبويه يرد عليه ، وقول عديل بن الفرخ العجلي :
وبت أساقي القوم إخوتي الذي * غوايتهم غيي ورشدهم رشدي
وقال بعضهم : المستوقد واحد لجماعة معه ، ولا يخفى ضعفه .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 9 | الشنقيطي