هُدىً لِلنَّاسِ
[ البقرة : 185 ] الآية . ووجه الجمع بينهما أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين : أحدهما عام ، والثاني خاص . أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة ، سواء سلكها المبين له أم لا . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
[ فصلت : 17 ] أي بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة السلام ، مع أنهم لم يسلكوها بدليل قوله عز وجل :
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] .
ومنه أيضا قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
[ الإنسان : 3 ] ، أي بينا له طريق الخير والشر ، بدليل قوله :
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
[ الإنسان : 3 ] .
وأما الهدى الخاص فهو تفضل اللّه بالتوفيق على العبد . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
[ الأنعام : 90 ] الآية .
وقوله :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
[ الأنعام : 125 ] .
فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص ، وهو التفضل بالتوفيق عليهم ، والهدى العام للناس هو الهدى العام ، وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة ، وبهذا يرتفع الإشكال أيضا بين قوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] مع قوله :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الشورى : 52 ] لأن الهدى المنفي عنه صلى اللّه عليه وسلم هو الهدى الخاص ، لأن التوفيق بيد اللّه وحده ، ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئا .
والهدى المثبت له هو الهدى العام الذي هو إبانة الطريق ، وقد بينها صلى اللّه عليه وسلم حتى تركها محجة بيضاء ليلها كنهارها ، واللّه يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 6 ) .
هذه الآية تدل بظاهرها على عدم إيمان الكفار ، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الكفار يؤمن باللّه ورسوله كقوله تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] الآية ، وكقوله :
كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
[ النساء : 94 ] ، وكقوله :
وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ
[ العنكبوت : 47 ] .