أنهم لم يكونوا يعلمون أن من صفاتها كون الناس والحجارة وقودا لها فنزلت اية التحريم . فعرفوا منها ذلك من صفات النار ، ثم لما كانت معروفة عندهم نزلت آية البقرة ، فعرفت فيها النار بأل العهدية لأنها معهودة عندهم في آية التحريم .
ذكر هذا الجمع البيضاوي والخطيب في تفسيريهما ، وزعما أن آية التحريم نزلت بمكة . وظاهر القرآن يدل على هذا الجمع لأن تعريف النار هنا بأل العهدية يدل على عهد سابق والموصول وصلته دليل على العهد وعدم قصد الجنس ، ولا ينافي ذلك أن سورة التحريم مدنية . وأن الظاهر نزولها بعد البقرة .
كما روي عن ابن عباس لجواز كون الآية مكية في سورة مدنية كالعكس .
قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[ 29 ] الآية .
هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء بدليل لفظة ثم التي هي للترتيب والانفصال ، وكذلك آية حم السجدة ، تدل أيضا على خلق الأرض قبل خلق السماء لأنه قال فيها :
* قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 9 ] إلى أن قال :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[ فصلت : 11 ] الآية . مع أن آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء ، لأنه قال فيها :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها
[ النازعات : 27 ] .
ثم قال :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات : 30 ] .
اعلم أولا أن ابن عباس رضي اللّه عنهما سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات ، فأجاب بأن اللّه تعالى خلق الأرض أولا قبل السماء غير مدحوة ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك ، فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء ، ويدل لهذا أنه قال :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات :
30 ] ولم يقل خلقها ، ثم فسر دحوه إياها بقوله :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
[ النازعات :
31 ] الآية . وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه ، مفهوم من ظاهر القرآن العظيم ، إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه .
وإيضاحه أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء ودحوها بما فيها بعد خلق السماء .