عليه بين الخصمين ، إلا أن أحدهما يقول هو موجود في هذا الفرع .
والثاني يقول : لا ومثاله الاختلاف في قطع النباش ، فإن أبا حنيفة رحمه اللّه تعالى يوافق الجمهور على أن السرقة هي مناط القطع ، ولكنه يقول لم يتحقق المناط في النباش لأنه غير سارق ، بل هو آخذ مال عارض للضياع كالملتقط من غير حرز ، فإذا حققت ذلك فاعلم أن مراد القائلين أنه لا تقبل توبته ، أن أفعاله دالة على خبث نيته وفساد عقيدته وأنه ليس تائبا في الباطل توبة نصوحا فهم موافقون على التوبة النصوح مناط القبول كما ذكرنا ، ولكن يقولون أفعال هذا الخبيث دلت على عدم تحقيق المناط .
ومن هنا اختلف العلماء في توبة الزنديق أعني المتستر بالكفر ، فمن قائل لا تقبل توبته ومن قائل تقبل ومن مفرق بين إتيانه تائبا قبل الاطلاع عليه وبين الاطلاع على نفاقه قبل التوبة ، كما هو معروف في فروع مذاهب الأئمة الأربعة لأن الذين يقولون يقتل ولا تقبل توبته يرون أن نفاقه الباطل دليل على أن توبته تقية لا حقيقة واستدلوا بقوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا
[ البقرة : 160 ] .
فقالوا : الإصلاح شرط والزنديق لا يطلع على إصلاحه ، لأن الفساد إنما أتى مما أسره فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع لم يزل في الباطن على ما كان عليه ، والذي يظهر أن أدلة القائلين بقبول توبته مطلقا أظهر وأقوى ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم لأسامة رضي اللّه عنه : « هلا شققت عن قلبه » « 1 » وقوله للذي ساره في قتل رجل قال : « أليس يصلي ؟ قال بلى . قال :
أولئك الذين نهيت عن قتلهم » « 2 » وقوله لخالد لما استأذنه في قتل الذي أنكر القسمة « إني لم أومر بأن أنقب عن قلوب الناس » « 3 » وهذه الأحاديث في الصحيح ويدل لذلك أيضا إجماعهم على أن أحكام الدنيا على الظاهر ، واللّه يتولى السرائر .
وقد نص تعالى على أن الأيمان الكاذبة جنة للمنافقين في الأحكام الدنيوية بقوله :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
[ المجادلة : 16 ] .
وقوله :
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ
[ التوبة : 95 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه عن أسامة بن زيد : مسلم في الإيمان حديث 158 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2643 .
( 2 ) أخرجه عن عبيد اللّه بن عدي بن الخيار ، أحمد في المسند 5 / 432 ، 433 .
( 3 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : البخاري في المغازي حديث 4351 ، ومسلم في الزكاة حديث 144 .