والثانية - أن يكون الموضوع من أصله معدوما لأنه إذا عدم تحقق عدم اتصافه بالمحمول الوجودي ، لأن العدم لا يتصف بالوجود كقولك : لا نظير للّه يستحق العبادة .
فإن الموضوع الذي هو النظير للّه مستحيل من أصله ، وإذا تحقق عدمه تحقق انتفاء اتصافه باستحقاق العبادة ضرورة وهذا النوع من أساليب اللغة العربية ومن شواهده قول امرئ القيس :
على لا حب لا يهتدى بمناره * إذا سافه العود النباطي جرجرا
لأن المعنى على لا حب لا منار له أصلا حتى يهتدى به .
وقول الآخر :
لا تفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضب بها ينجحر
لأنه يصف فلاة بأنها ليس فيها أرانب ولا ضباب حتى تفزع أهوالها الأرنب ، أو ينجحر فيها الضب أي يدخل الحجر أو يتخذه . وقد أوضحت مسألة إن السالبة لا تقتضي وجود الموضوع في أرجوزتي في المنطق في مبحث انحراف السور ، وأوضحت فيها أيضا في مبحث التحصيل والعدول أن من الموجبات ما لا يقتضي وجود الموضوع نحو : بحر من زئبق ممكن ، والمستحيل معدوم فإنها موجبتان وموضوع كل منهما معدوم . وحررنا هناك التفصيل فيما يقتضي وجود الموضوع وما لا يقتضيه وهذا الذي قررنا من أن المرتد إذا تاب قبلت توبته ولو بعد تكرر الردة ثلاث مرات أو أكثر ، لا منافاة بينه وبين ما قاله جماعة من العلماء الأربعة وغيرهم ، وهو مروي عن علي وابن عباس : من أن المرتد إذا تكرر منه ذلك يقتل ولا تقبل توبته . واستدل بعضهم على ذلك بهذه الآية . لأن هذا الخلاف في تحقيق المناط مع اتفاقهما على أصل المناط وإيضاحه أن المناط مكان النوط وهو التعليق . ومنه قول حسان رضي اللّه عنه :
وأنت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
والمراد به مكان تعليق الحكم ، وهو العلة فالمناط والعلة مترادفان اصطلاحا إلا أنه غلب التعبير بلفظ المناط في المسلك الخامس من مسالك العلة ، الذي هو المناسبة والإحالة فإنه يسمى تخريج المناط وكذلك في المسلك التاسع الذي هو تنقيح المناط فتخريج المناط هو استخراج العلة بمسلك المناسبة والإحالة ، وتنقيح المناط هو تصفية العلة وتهذيبها حتى لا يخرج شيء صالح لها ولا يدخل شيء غير صالح لها ، كما هو معلوم في محله . وأما تحقيق المناط وهو الغرض هنا فهو أن يكون مناط الحكم متفقا