وللناس بينهما فروق :
أنّ الأوّل : لم يرد شموله لجميع الأفراد ، لا من جهة تناول اللفظ ، ولا من جهة الحكم ؛ بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها .
والثاني : أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد ، من جهة تناول اللفظ لها ، لا من جهة الحكم .
ومنها : أنّ الأوّل مجاز قطعا ، لنقل اللفظ عن موضوعه الأصليّ . بخلاف الثاني : فإنّ فيه مذاهب أصحّها أنه حقيقة ، وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة ، ونقله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء . وقال الشيخ أبو حامد : إنّه مذهب الشافعيّ وأصحابه ، وصحّحه السبكيّ ؛ لأنّ تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص ، وذلك التناول حقيقيّ اتفاقا ، فليكن هذا التناول حقيقيّا أيضا .
ومنها : أنّ قرينة الأوّل عقلية والثاني لفظية .
ومنها : أنّ قرينة الأول لا تنفك عنه ، وقرينة الثاني قد تنفكّ عنه .
ومنها : أنّ الأوّل يصحّ أن يراد به واحد اتفاقا ، وفي الثاني خلاف .
ومن أمثلة المراد به الخصوص « 1 » : قوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
[ آل عمران : 173 ] . والقائل واحد : نعيم بن مسعود الأشجعيّ أو أعرابيّ من خزاعة ، كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع ؛ لقيامه مقام كثير في تثبيط المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان « 2 » .
قال الفارسيّ « 3 » : ومما يقوّي أنّ المراد به واحد قوله :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ
[ آل عمران : 175 ] . فوقعت الإشارة بقوله :
ذلِكَ مَتاعُ
إلى واحد بعينه ، ولو كان المعنى جمعا لقال : إنّما أولئكم الشّيطان : فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ .
ومنها : قوله تعالى :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
[ النساء : 54 ] . أي : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة .
ومنها : قوله :
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
[ البقرة : 199 ] . أخرج ابن
هامش
( 1 ) انظر البرهان 2 / 220 .
( 2 ) انظر الدر المنثور 2 / 102 - 103 ، وسيأتي تفصيل هذا في باب المبهمات .
( 3 ) نقله الزركشي في برهانه 2 / 220 عن أبي علي الفارسي .