وقيل في قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ
[ الروم : 46 ] . إنه على تقدير : ( ليبشركم ويذيقكم ) .
تنبيه : ظن ابن مالك أنّ المراد بالتوهّم الغلط ، وليس كذلك ، كما نبّه عليه أبو حيان وابن هشام ، بل هو مقصد صواب ، والمراد : أنه عطف على المعنى ، أي : جوّز العربيّ في ذهنه ملاحظة ذلك المعنى في المعطوف عليه ، فعطف ملاحظا له ، لا أنه غلط في ذلك ، ولهذا كان الأدب أن يقال في مثل ذلك في القرآن : إنه عطف على المعنى .
مسألة : اختلف في جواز عطف الخبر على الإنشاء وعكسه ،
فمنعه البيانيون وابن مالك وابن عصفور ، ونقله عن الأكثرين ، وأجازه الصفّار وجماعة ، مستدلّين بقوله تعالى :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا
في سورة [ البقرة : 25 ] .
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
في سورة الصف [ 13 ] .
وقال الزمخشريّ « 1 » في الأولى : ليس المعتمد بالعطف الأمر حتى يطلب له مشاكل ، بل المراد عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة ثواب الكافرين .
وفي الثانية « 2 » : إنّ العطف على
أَ فَتُؤْمِنُونَ
لأنه بمعنى ( آمنوا ) .
وردّ بأن الخطاب به للمؤمنين ، وب ( بشّر ) للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبأنّ الظاهر في
أَ فَتُؤْمِنُونَ
أنه تفسير للتجارة لا طلب .
وقال السكاكيّ : الأمران معطوفان على ( قل ) مقدّرة قيل ( يا أيها ) وحذف القول كثير .
مسألة : اختلف في جواز عطف الاسمية على الفعلية وعكسه :
فالجمهور على الجواز ، وبعضهم على المنع .
وقد لهج به الرازي في تفسيره كثيرا ، وردّ به على الحنفيّة القائلين بتحريم أكل متروك التسمية أخذا من قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
[ الأنعام : 121 ] .
فقال : هي حجة للجواز لا للتحريم ، وذلك : أنّ الواو ليست عاطفة ، لتخالف الجملتين بالاسمية والفعلية . ولا للاستئناف ؛ لأنّ أصل الواو أن تربط ما بعدها بما قبلها . فبقي أن تكون للحال ، فتكون جملة مقيّدة للنهي ، والمعنى : لا تأكلوا منه في حال كونه فسقا ، ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقا ، والفسق قد فسّره اللّه تعالى بقوله :
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
[ الأنعام : 145 ] . فالمعنى : لا تأكلوا منه إذا سمّي عليه غير اللّه . ومفهومه : فكلوا منه إذا لم يسمّ
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 8 / 309 .
( 2 ) الكشاف 1 / 253 - 254 .
( 3 ) انظر الكشاف 4 / 101 .
( 4 ) انظر البرهان 4 / 109 - 110 .