علم الغيب عن كلّ من هو في واحدة من السماوات .
وحيث أريد الجهة أتي بصيغة الإفراد ، نحو :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
[ الذاريات : 22 ] .
أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ
[ الملك : 16 ] أي من فوقكم .
ومن ذلك ( الريح ) « 1 » ذكرت مجموعة ومفردة ، فحيث ذكرت في سياق الرحمة جمعت ، أو في سياق العذاب أفردت .
أخرج ابن أبي حاتم وغيره ، وعن أبيّ بن كعب ، قال : كلّ شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة ، وكلّ شيء فيه من الريح فهو عذاب .
ولهذا ورد في الحديث : « اللهم اجعلها رياحا ، ولا تجعلها ريحا » « 2 » . وذكر في حكمة ذلك : أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهبّات والمنافع ، وإذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها ، فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات ؛ فكانت في الرحمة رياحا . وأمّا في العذاب فإنّها تأتي من وجه واحد ولا معارض لها ولا دافع .
وقد خرج عن هذه القاعدة قوله تعالى في سورة يونس :
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
[ يونس : 22 ] وذلك لوجهين :
لفظيّ : وهو المقابلة في قوله :
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ
وربّ شيء يجوز في المقابلة ولا يجوز استقلالا ، نحو :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ آل عمران : 54 ] .
ومعنوي : وهو أنّ تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها ، فإنّ السفينة لا تسير إلّا بريح واحدة من وجه واحد ، فإن اختلف عليها الرياح كان سبب الهلاك ، والمطلوب هنا ريح واحدة ، ولهذا أكّد هذا المعنى بوصفها بالطيب . وعلى ذلك أيضا جرى قوله :
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ
[ الشورى : 33 ] .
وقال ابن المنيّر : إنه على القاعدة ؛ لأنّ سكون الريح عذاب وشدّة على أصحاب السفن .
ومن ذلك إفراد ( النور ) وجمع ( الظلمات ) « 3 » وإفراد ( سبيل الحق ) ، وجمع ( سبل
هامش
( 1 ) انظر البرهان 4 / 9 - 11 .
( 2 ) رواه أبو يعلى في مسنده ، حديث رقم ( 2456 ) 4 / 341 والطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 11533 ) 11 / 213 - 214 .
وسنده ضعيف جدا فيه : حسين بن قيس ، الملقب بحنش : متروك . وانظر مجمع الزوائد 10 / 135 - 136 .
( 3 ) انظر البرهان 4 / 12 .