ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها » « 1 » .
قال في شرح المهذب : واتّفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع .
قالوا : وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل .
قالوا : واستحباب الترتيل للتدبّر ، ولأنّه أقرب إلى الإجلال والتوقير ، وأشدّ تأثيرا في القلب ، ولهذا يستحبّ للأعجميّ الذي لا يفهم معناه . انتهى .
وفي النشر « 2 » : اختلف ؛ هل الأفضل الترتيل وقلّة القراءة أو السّرعة مع كثرتها ؟ وأحسن بعض أئمتنا فقال : إنّ ثواب قراءة الترتيل أجلّ قدرا ، وثواب الكثرة أكثر عددا ، لأنّ بكل حرف عشر حسنات .
وفي البرهان للزركشي « 3 » : كمال الترتيل تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه ، وألا يدغم حرف في حرف . وقيل : هذا أقله ، وأكمله أن يقرأه على منازله ، فإن قرأ تهديدا لفظ به لفظ المتهدّد ، أو تعظيما لفظ به على التعظيم .
مسألة : وتسنّ القراءة بالتدبر والتفهّم « 4 » : فهو المقصود الأعظم والمطلوب الأهمّ ، وبه تنشرح الصدور ، وتستنير القلوب ، قال تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
[ ص :
29 ] ، وقال :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
[ النساء : 82 ] .
وصفة ذلك : أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به ، فيعرف معنى كلّ آية ، ويتأمّل الأوامر والنّواهي ، ويعتقد قبول ذلك ؛ فإن كان ممّا قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر ، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل ، أو عذاب أشفق وتعوّذ ، أو تنزيه نزّه وعظّم ، أو دعاء تضرّع وطلب .
أخرج مسلم عن حذيفة قال : صليت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة ، فافتتح البقرة فقرأها ، ثم النساء فقرأها ، ثم آل عمران فقرأها ؛ يقرأ مترسّلا ، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح ، وإذا مرّ بسؤال سأل ، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ « 5 » .
هامش
( 1 ) رواه أبو داود ( 1464 ) 2 / 73 ، والترمذي ( 2914 ) 5 / 177 - 178 ، والنسائي في الكبرى ( 8056 ) ، وأحمد في المسند 2 / 192 ، وابن أبي شيبة ( 30056 - 30057 ) ، والحاكم في المستدرك 1 / 552 - 553 ، والفريابي في فضائل القرآن ( 60 - 61 ) ، والسهمي في تاريخ جرجان ص 139 ، وابن الضريس في الفضائل ص 65 ، وابن حبان في صحيحه ( 766 ) ، والرازي في فضائل القرآن ( 133 ) ، والبيهقي في سننه 2 / 53 ، والبغوي في شرح السنة ( 1178 ) ، وفي تفسيره 1 / 33 .
قلت : سنده حسن ، لأجل عاصم بن أبي النجود .
( 2 ) النشر 1 / 208 ، وانظر التمهيد ص 60 - 63 .
( 3 ) البرهان 1 / 449 .
( 4 ) انظر رسالتي : « كيف نتدبّر القرآن » .
( 5 ) سبق تخريجه .