وقال النّكزاويّ : باب الوقف عظيم القدر ، جليل الخطر ؛ لأنه لا يتأتّى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلّة الشرعية منه إلّا بمعرفة الفواصل .
وفي « النّشر » لابن الجزري « 1 » : لمّا لم يمكن القارئ أن يقرأ السورة أو القصة في نفس واحد ، ولم يجز التنفّس بين كلمتين حالة الوصل ، بل ذلك كالتنفس في أثناء الكلمة ، وجب حينئذ اختيار وقف للتنفّس والاستراحة ، وتعيّن ارتضاء ابتداء بعده ، ويتحتّم ألّا يكون ذلك ممّا يحيل المعنى ولا يخلّ بالفهم ، إذ بذلك يظهر الإعجاز ، ويحصل القصد ؛ ولذلك حضّ الأئمة على تعلّمه ومعرفته .
وفي كلام عليّ دليل على وجوب ذلك ، وفي كلام ابن عمر برهان على أنّ تعلّمه إجماع من الصحابة .
وصحّ . بل تواتر . عندنا تعلّمه والاعتناء به من السّلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع أحد أعيان التابعين ، وصاحبه الإمام نافع ، وأبي عمرو ، ويعقوب ، وعاصم ، وغيرهم من الأئمة ؛ وكلامهم في ذلك معروف ، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب .
ومن ثمّ اشترط كثير من الخلف على المجيز ألّا يجيز أحدا إلّا بعد معرفته الوقف والابتداء .
وصحّ عن الشعبيّ أنّه قال : إذا قرأت :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 )
فلا تسكت حتى تقرأ :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 )
[ الرحمن : 26 . 27 ] « 2 » .
قلت : أخرجه ابن أبي حاتم .
فصل اصطلح الأئمة على أنّ لأنواع الوقف والابتداء أسماء ، واختلفوا في ذلك :
فقال ابن الأنباري « 3 » : الوقف على ثلاثة أوجه : تامّ ، وحسن ، وقبيح :
فالتامّ : الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ، ولا يكون بعده ما يتعلّق به ، كقوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ البقرة : 5 ] ، وقوله :
أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ البقرة : 6 ] .
والحسن : هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده ، كقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
؛ لأنّ الابتداء ب
رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الفاتحة : 2 ] لا يحسن ، لكونه صفة لما قبله .
هامش
( 1 ) النشر 1 / 224 - 225 .
( 2 ) انظر النشر 1 / 225 ، والدر المنثور 6 / 143 .
( 3 ) انظر البرهان 1 / 350 - 352 .