فنقل إمام الحرمين في « البرهان » عن ظاهر مذهب الشافعيّ : أنّه لا يجوز ، وتبعه أبو نصر القشيري ، وجزم به ابن الحاجب ؛ لأنّه نقله على أنه قرآن ، ولم يثبت .
وذكر القاضيان : أبو الطيب ، والحسين ، والرّويانيّ ، والرّافعي العمل بها ، تنزيلا لها منزلة خبر الآحاد . وصحّحه ابن السبكيّ في « جمع الجوامع » ، و « شرح المختصر » .
وقد احتجّ الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود ، وعليه أبو حنيفة أيضا .
واحتجّ على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءته ( متتابعات ) ، ولم يحتجّ بها أصحابنا لثبوت نسخها ، كما سيأتي .
التنبيه السادس : من المهمّ معرفة توجيه القراءات ؛
وقد اعتنى به الأئمة ، وأفردوا فيه كتبا ، منها « الحجة » لأبي عليّ الفارسيّ « 1 » ، و « الكشف » لمكيّ « 2 » و « الهداية » للمهدويّ ، و « المحتسب في توجيه الشواذ » لابن جني .
قال الكواشيّ : فائدته أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه ، أو مرجّحا ؛ إلّا أنه ينبغي التنبيه على شيء : وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقطها ؛ وهذا غير مرضي ، لأنّ كلّا منهما متواتر .
وقد حكى أبو عمر الزاهد في كتاب « اليواقيت » عن ثعلب أنه قال : إذا اختلف الإعرابان في القرآن لم أفضّل إعرابا على إعراب ، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضّلت الأقوى .
وقال أبو جعفر النحاس : السّلامة عند أهل الدين ، إذا صحت القراءتان ألّا يقال :
هامش
- الخبر عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ؛ لأنّ ناقلها لم ينقلها إلّا على أنها قرآن ، والقرآن لا يثبت إلّا بالتواتر ، وإذا لم يثبت قرآنا لم يثبت خبرا ، والموقع لهم في ذلك دعوى إمام الحرمين في « البرهان » : أنّ ذلك ظاهر مذهب الشافعي ، وتبعه أبو نصر بن القشيري والغزالي في « المنخول » ، والكيا الطبري في « التلويح » ، وابن السمعاني في « القواطع » وغيرهم ، فقال الكيا : القراءة الشاذة مردودة ، لا يجوز إثباتها في المصحف ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء .
قال : وأما إيجاب أبي حنيفة التتابع في صوم كفارة اليمين ؛ لأجل قراءة ابن مسعود ، فليس على تقدير أنه أثبت نظمه من القرآن ، ولكن أمكن أنه كان من القرآن في قديم الزمان ، ثم نسخت تلاوته ، فاندرس مشهور رسمه فنقل آحادا ، والحكم باق ، وهذا لا يستنكر في العرف .
قال : والشافعي لا يرد على أبي حنيفة اشتراط التتابع على أحد القولين من هذه الجهة ، ولكنه يقول :
لعل ما زاده ابن مسعود تفسيرا منه ، ومذهبا رآه ، فلا بعد في تقديره ، ولم يصرّح بإسناده إلى القرآن .
فإن قالوا : لا يجوز ضم القرآن إلى غيره ، فكذلك لا يجوز ضم ما نسخت تلاوته إلى القرآن تلاوة .
وهذا قد يدل من وجهة على بطلان نقل هذه القراءة عن ابن مسعود ، فإنّا على أحد الوجهين نبعد قراءة ما ليس من القرآن مع القرآن . . . إلى آخر كلامه . . . » .
( 1 ) وهو مطبوع ، طبعه دار المأمون - دمشق بتحقيق الشيخ بدر الدين القهوجي حفظه اللّه تعالى .
( 2 ) وهو مطبوع ، طبع في مؤسسة الرسالة بيروت ، والهداية أيضا مطبوع بمكتبة الرشد الرياض .