من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، والنكل القيد . قاله القرطبي .
واختلف في الآخرة والأولى : أهم الدنيا والآخرة ؟ أم هم الكلمتان العظيمتان اللتان تكلم بهما فرعون في قوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
[ القصص : 38 ] .
والثانية قوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] .
قال ابن عباس : وكان بينهما أربعون سنة . وقد اختار ابن كثير الأول ، واختار ابن جرير الثاني ، ومعه كثير من المفسرين .
ولكن يرد على اختيار ابن كثير : أن السياق قدم الآخرة ، مع أن تعذيب فرعون مقدم فيه نكال الأولى ، وهي الدنيا .
كما يرد على اختيار ابن جرير ، أن اللّه تعالى جعل أخذه إياه نكالا ، ليعتبر به من يخشى ، والعبرة تكون أشد بالمحسوس ، وكلمتاه قيلتا في زمنه .
والقرآن يشهد لما قاله ابن كثير ، في قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
[ يونس : 92 ] ، وهذا هو محل الاعتبار .
وقد قال تعالى بعد الآية :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى
( 26 ) [ النازعات : 26 ] .
واسم الإشارة في قوله : إن في ذلك : راجع إلى الأخذ والنكال المذكورين ، أي المصدر المفهوم ضمنا في قوله تعالى :
فَأَخَذَهُ اللَّهُ
وقوله : نكال ، بل إن نكال مصدر بنفسه ، أي فأخذه اللّه ونكل به ، وجعل نكاله به عبرة لمن يخشى .
قوله تعالى :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 )
[ 27 ] .
لما كان فرعون على تلك المثابة من الطّغيان والكفر ، وكان من أسباب طغيانه الملك والقوّة ، كما في قوله تعالى :
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ
[ الفجر : 10 ] ، وقوله :
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ
[ القصص : 4 ] ، وقوله عنه :
أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
[ الزخرف : 51 ] .
وهذه كلها مظاهر طغيانه وعوامل قوته ، خاطبهم اللّه بما آل إليه هذا الطغيان ، ثم خاطبهم في أنفسهم محذرا من طغيان القوة
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ
، حتى لو ادعيتم أنكم أشد قوة من فرعون ، الذي أخذه اللّه نكال الآخرة والأولى ، فهل أنتم أشد خلقا أم السماء ؟