هريرة رضي اللّه عنه ، أن رجلا شكا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قسوة قلبه فقال : « امسح رأس اليتيم ، وأطعم المسكين » « 1 » .
وهنا يتجلى سر لطيف في مثالية التشريع الإسلامي ، حيث يخاطب اللّه تعالى أفضل الخلق وأرحمهم ، وأرأفهم بعباد اللّه ، الموصوف بقوله تعالى :
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 128 ] ، وبقوله :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] ، ليكون مثالا مثاليا في أمة قست قلوبها وغلظت طباعها ، فلا يرحمون ضعيفا ، ولا يؤدون حقا من قوة يدينون لمبدأ « من عزّ بزّ ، ومن غلب استلب » يفاخرون بالظلم ويتهاجون بالأمانة ، كما قال شاعرهم :
قبيلة لا يخفرون بذمة * ولا يظلمون الناس حبة خردل
ويقول حكيمهم :
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه * يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم
قوم يئدون بناتهم ، ويحرمون من الميراث نساءهم ، يأكلون التراث أكلا لما ، ويحبون المال حبا ، فقلب مقاييسهم وعدل مفاهيمهم ، فألان قلوبهم ورقق طباعهم ، فلانوا مع هذا الضعيف وحفظوا حقه .
وحقيقة هذا التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرنا تأتي فوق كل ما تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها ، مما يحقق كمال التكامل الاجتماعي بأبهى معانيه ، المنوه عنه في الآية الكريمة
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
[ النساء : 9 ] ، فجعل كافل اليتيم اليوم ، إنما يعمل حتى فيما بعد لو ترك ذرية ضعافا ، وعبّر هنا عن الأيتام بلازمهم وهو الضعف إبرازا لحاجة اليتيم إلى الإحسان ، بسبب ضعفه فيكونون موضع خوفهم عليهم لضعفهم ، فليعاملوا الأيتام تحت أيديهم ، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم .
وهكذا تضع الآية أمامنا تكافلا اجتماعيا في كفالة اليتيم ، بل إن اليتيم نفسه ، فإنه يتيم اليوم ورجل الغد ، فكما تحسن إليه يحسن هو إلى أيتامك من بعدك ، وكما
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 263 .