أي من أعضاء وأجزاء وتراكيب وعدة أجهزة تبهر العقول في السمع ، وفي البصر ، وفي الشم ، وفي الذوق ، وفي الحس ، ومن داخل الجسم ما هو أعظم ، فحق أن يقسم بها .
وما سواها : أي بالقدرة الباهرة ، والعلم الشامل . وذكرها بالمعنى الثاني ، فإنه في نظري أعظم من المعنى الأول ، وذلك أن القوى المدركة والمفكرة والمقدرة للأمور التي لها الاختيار ، ومنها القبول والرفض والرضى والسخط والأخذ والمنع ، فإنها عالم مستقل .
وإنها كما قلنا أعظم مما تقدم ، لأن الجانب الخلقي قال تعالى فيه :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[ غافر : 57 ] ، ولكن في هذا الجانب قال :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب : 72 ] .
ومعلوم أن بعض أفراد الإنسان حملها بصدق وأداها بوفاء ، ونال رضى اللّه تعالى رضي اللّه عنهم ورضوا عنه .
فهذه النفس في تسويتها لتلقى معاني الخير والشر ، واستقبال الإلهام الإلهي للفجور ، والتقوى أعظم دلالة على القدرة من تلك الجمادات التي لا تبدي ولا تعيد ، والتي لا تملك سلبا ولا إيجابا .
وهنا مثال بسيط فيما استحدث من آلات حفظ وحساب ، كالآلة الحاسبة والعقل الألكتروني ، فإنها لا تخطىء كما يقولون ، وقد بهرت العقول في صفتها ، ولكن بنظرة بسيطة نجدها أمام النفس الإنسانية كقطرة من بحر .
فنقول : إنها أولا من صنع هذه النفس ذات الإدراك النامي والاستنتاج الباهر .
ثانيا : هي لا تخطىء لأنها لا تقدر أن تخطىء ، لأن الخطأ ناشىء عن اجتهاد فكري ، وهي لا اجتهاد لها ، إنما تشير وفق ما رسم لها كالمادة المسجلة في شريط ، فإن المسجل مع دقة حفظة لها فإنه لا يقدر أن يزيد ولا ينقص حرفا واحدا .
أما الإنسان فإنه يغير ويبدل ، وعندما يبدل كلمة مكان كلمة ، فلقدرته على إيجاد الكلمة الأخرى ، أو لاختياره ترك الكلمة الأولى .
وهكذا هنا ، فاللّه تعالى هنا خلق تلك النفس أولا ، ثم سواها على حالة تقبل