تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
[ البقرة : 31 ] الآية ، كما هو ظاهر . قوله تعالى :
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
( 33 ) [ 33 ] . لم يبين هنا هذا الذي كانوا يكتمون . وقد قال بعض العلماء : هو ما كان يضمره إبليس من الكبر . وعلى هذا القول فقد بينه قوله تعالى :
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ
[ البقرة : 34 ] الآية . قوله تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ 34 ] . لم يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أو بعد خلقه ؟ وقد صرح في سورة الحجر وص بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم ، فقال في الحجر :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
( 29 ) [ الحجر : 28 - 29 ] ، وقال في سورة ص :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
( 72 ) [ ص : 71 - 72 ] . قوله تعالى
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ
[ 34 ] . لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه ، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله :
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
( 12 ) [ الأعراف : 12 ] ، وقوله :
قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
( 33 ) [ الحجر : 33 ] . تنبيه : مثل قياس إبليس نفسه على عنصره ، الذي هو النار ، وقياسه آدم على عنصره ، الذي هو الطين ، واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم . ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه ، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ البقرة : 34 ] يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار . وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود :
والخلف للنص أو إجماع دعا * فساد الاعتبار كل من وعى
فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس ، وقياس إبليس هذا لعنه اللّه باطل من ثلاثة أوجه : الأول : أنه فاسد الاعتبار ؛ لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريبا . الثاني : أنا لا نسلم أن النار خير من الطين ، بل الطين خير من النار ؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق ، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة .