وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة ، والأزهار الجميلة ، والروائح الطيبة ، تعلم أن الطين خير من النار .
الثالث : أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين : فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم ؛ لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع ، بل قد يكون الأصل رفيعا والفرع وضيعا ، كما قال الشاعر :
إذا افتخرت بآباء لهم شرف * قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وقال الآخر :
وما ينفع الأصل من هاشم * إذا كانت النفس من باهله
قوله تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
[ 37 ] .
لم يبين هنا ما هذه الكلمات ، ولكنه بيّنها في سورة الأعراف بقوله :
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 23 ) [ الأعراف : 23 ] .
قوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[ 40 ] .
لم يبين هنا ما هذه النعمة التي أنعمها عليهم ، ولكنه بينها في آيات أخر . كقوله :
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
[ البقرة : 57 ] .
وقوله :
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
[ البقرة : 49 ] الآية ، وقوله :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
( 6 ) [ القصص :
5 - 6 ] إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
[ 40 ] .
لم يبين هنا ما عهده وما عهدهم ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله :
وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ المائدة : 12 ] ، فعهدهم هو المذكور في قوله :
لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ المائدة : 12 ] ، وعهده هو المذكور في قوله :
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
[ آل عمران : 195 ] الآية .
وأشار إلى عهدهم أيضا بقوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
[ آل عمران : 187 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .