واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية اللّه تعالى . وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن ، كحديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة » « 1 » ، أخرجه الشيخان وأبو داود « 2 » .
وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال في السّرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النّار : « لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا ؛ إنّما الطّاعة في المعروف » « 3 » .
وفي الكتاب العزيز :
وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ
[ الممتحنة : 12 ] .
* * * المسألة الثانية : هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقلّ دون الآخر ؟ في ذلك ثلاثة أقوال :
الأول : قول الكرامية بجواز ذلك مطلقا محتجين بأن عليا ومعاوية كانا إمامين واجبي الطاعة كلاهما على من معه . وبأن ذلك يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه .
وبأنه لما جاز بعث نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى .
القول الثاني : قول جماهير العلماء من المسلمين : إنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم ، بل يجب كونه واحدا ، وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله ، محتجين بما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » « 4 » .
ولمسلم أيضا من حديث عرفجة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول :
« من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم أو يفرّق جماعتكم
هامش
( 1 ) أخرجه : البخاري في الأحكام حديث 7144 ، والجهاد حديث 2955 ، ومسلم في الإمارة حديث 38 .
( 2 ) أخرجه : أبو داود في الجهاد حديث 2626 .
( 3 ) أخرجه : البخاري في الأحكام حديث 7145 ، والمغازي حديث 4340 ، ومسلم في الإمارة حديث 39 و 40 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2625 ، والنسائي كتاب البيعة باب جزاء من أمر بمعصية فأطاع ، وأحمد في المسند 1 / 82 ، 94 ، 124 .
( 4 ) كتاب الإمارة حديث 61 .