الثالث : من شروط الإمام الأعظم كونه حرا . فلا يجوز أن يكون عبدا ، ولا خلاف في هذا بين العلماء .
فإن قيل : ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة العبد . فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأنّ رأسه زبيبة » « 1 » .
ولمسلم من حديث أم الحصين : « اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب اللّه » « 2 » .
ولمسلم أيضا : من حديث أبي ذر رضي اللّه عنه قال : « أوصاني خليلي أن أطيع وأسمع ، وإن كان عبدا حبشيّا مجدّع الأطراف » « 3 » فالجواب من أوجه :
الأول : أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود ؛ فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة ، وإن كان لا يتصور شرعا أن يلي ذلك . ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي . ويشبه هذا الوجه قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) [ الزخرف : 81 ] على أحد التفسيرات .
الوجه الثاني : أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد وهو أظهرها . فليس هو الإمام الأعظم .
الوجه الثالث : أن يكون أطلق عليه اسم العبد ؛ نظرا لاتصافه بذلك سابقا مع أنه وقت التولية حر ، ونظيره إطلاق اليتيم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقا في قوله تعالى :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 2 ] الآية - وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار .
أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب ، إخمادا للفتنة وصونا للدماء ، ما لم يأمر بمعصية ، كما تقدمت الإشارة إليه . والمراد بالزبيبة في هذا الحديث ، واحدة الزبيب المأكول المعروف ، الكائن من العنب إذا جف ، والمقصود من التشبيه : التحقير وتقبيح الصورة ؛ لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتي . ويشبه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كأنّه زبيبة » « 4 » ، قول الشاعر يهجو شخصا أسود :
هامش
- الفتن حديث 2262 ، والنسائي في آداب القضاة باب النهي عن استعمال النساء في الحكم .
( 1 ) كتاب الأحكام حديث 1742 .
( 2 ) كتاب الإمارة حديث 37 .
( 3 ) كتاب الإمارة حديث 36 .
( 4 ) سبق تخريجه .