قال : « إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ، قالوا :
وهم بالمدينة يا رسول اللّه ؟ قال : نعم حبسهم العذر » « 1 » وفي هذا المعنى قال الشاعر :
يا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد * سرتم جسوما ، وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر * ومن أقام على عذر فقد راحا
تنبيه : يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين ؛ لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضا لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى ؛ وهي الجنة والثواب الجزيل .
قوله تعالى :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ 101 ] الآية .
قال بعض العلماء : المراد بالقصر في قوله :
أَنْ تَقْصُرُوا
في هذه الآية قصر كيفيتها لا كميتها ، ومعنى قصر كيفيتها : أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن . كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة ، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي معهم الركعة الأخرى وكصلاتهم إيماء رجالا وركبانا وغير متوجهين إلى القبلة ، فكل هذا من قصر كيفيتها ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها .
قوله تعالى : بعده يليه مبينا له :
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
[ 102 ] الآية .
وقوله تعالى :
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً
[ البقرة : 239 ] ويزيده إيضاحا أنه قال هنا :
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
[ النساء : 103 ] وقال في آية البقرة :
فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
( 239 ) [ البقرة : 239 ] ؛ لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف .
وعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن ، فشرط الخوف في قوله :
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ النساء : 101 ] معتبر أي : وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها ، بل صلوها على أكمل الهيئات ، كما صرح به في قوله :
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وصرح باشتراط الخوف أيضا لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي والراكب بقوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ
هامش
( 1 ) أخرجه : البخاري في الجهاد حديث 2839 ، والمغازي حديث 4423 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2508 ، وابن ماجة في الجهاد حديث 2764 . وأخرجه عن جابر بن عبد اللّه : مسلم في الإمارة حديث 159 .