تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
[ البقرة : 109 ] . وذكر في موضع آخر أن هذا الإضلال الذي يتمنونه للمسلمين لا يقع من المسلمين ، وإنما يقع منهم - أعني المتمنين الضلال للمسلمين - وهو قوله :
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 69 ) [ آل عمران : 69 ] . قوله تعالى :
أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ
[ 47 ] . لم يبين هنا كيفية لعنه لأصحاب السبت ، ولكنه بين في غير هذا الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة ومن مسخه اللّه قردا غضبا عليه فهو ملعون بلا شك ، وذلك قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
( 65 ) [ البقرة : 65 ] وقوله :
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
( 166 ) [ الأعراف : 166 ] والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بعطفه عليه في قوله :
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
[ المائدة : 60 ] لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية ، كما قاله الألوسي في تفسيره وهو ظاهر واللعنة في اللغة : الطرد والإبعاد ، والرجل الذي طرده قومه وأبعدوه لجناياته تقول له العرب رجل لعين ، ومنه قول الشاعر :
ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين
وفي اصطلاح الشرع : اللعنة : الطرد والإبعاد عن رحمة اللّه ، ومعلوم أن المسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد . قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 )
[ 48 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء وأن من أشرك به فقد افترى إثما عظيما . وذكر في مواضع أخر : أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك ، فإن تاب غفر له كقوله :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
[ الفرقان : 70 ] الآية فإن الاستثناء راجع لقوله :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ الفرقان : 68 ] وما عطف عليه : لأن معنى الكل جمع في قوله :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
( 68 ) [ الفرقان : 68 ] الآية . وقوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] وذكر في موضع آخر : أن من أشرك باللّه فقد ضل ضلالا بعيدا عن الحق ، وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضا :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
( 116 ) [ النساء : 116 ] وصرح بأن من أشرك باللّه فالجنة عليه حرام ومأواه النار
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 259 | الشنقيطي