تنبيهان الأول : هاتان الآيتان أعني قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
[ البقرة : 234 ] وقوله :
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
[ الطلاق : 4 ] من باب تعارض الأعمين من وجه ، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما ، والراجح منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في المراقي بقوله :
وإن يك العموم من وجه ظهر * فالحكم بالترجيح حتما معتبر
وقد بينت السنة الصحيحة أن عموم :
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ
[ الطلاق : 4 ] مخصص لعموم
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
[ البقرة : 234 ] الآية . مع أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها ، وعليه فلا عموم في آية البقرة ؛ لأن قوله :
وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
[ البقرة :
234 ] جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله :
وَاللَّائِي يَئِسْنَ
[ الطلاق : 4 ] فإنه مضاف إلى معرف بأل ، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم ، كما عقده في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم :
* وما معرفا بأل قد وجدا * * أو بإضافة إلى معرف
إذا تحقق الخصوص قد نفى
الثاني : الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف ؛ لدلالة المقام عليه أي : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا كقول العرب : السمن منوان بدرهم . أي : منوان منه بدرهم .
قوله تعالى :
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
( 241 ) [ 241 ] .
ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي ، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا ؟ فرض لها صداق أم لا ؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا
( 28 ) [ الأحزاب : 28 ] مع قوله :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب :
21 ] الآية - وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به صلّى اللّه عليه وسلم يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله :
وما به قد خوطب النبي * تعميمه في المذهب السني
وهو مذهب الأئمة الثلاثة ، خلافا للشافعي القائل بخصوصه به صلّى اللّه عليه وسلم إلا بدليل على العموم ، كما بيناه في غير هذا الموضع .