تنبيه
ومن هنا يعلم حقيقة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » « 1 » أي لأن الحالف يقيم المحلوف به مقام الشهود الذين رأوا أو سمعوا ، والمخلوق إذا كان غائبا لا يرى ولا يسمع ، فإذا حلف به كان قد أعطاه صفات من يرى ويسمع ، والحال أنه بخلاف ذلك ، ومن ناحية أخرى الحالف والمستحلف باللّه يعلمان أن اللّه تعالى قادر على أن ينتقم من صاحب اليمين الغموس ، وغير اللّه إذا ما حلف به لا يقوى ولا يقدر على شيء من ذلك . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ( 36 ) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ
( 37 )
مهطعين : أي مسرعين نافرين ، وعزين جمع عزة ، وهم الجماعة ، أي ما بال أولئك الكفار المنصرفين عنك متفرقين ، وعليه قول الكميت :
ونحن وجندل باغ تركنا * كتائب جندل شتى عزين
وكذلك هنا فهم متفرقون عنه صلى اللّه عليه وسلم جماعات من كل جهة عن اليمين وعن الشمال . تفرقت بهم الأهواء وأخذتهم الحيرة كقوله تعالى :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
[ المدثر : 49 - 51 ] .
ونقل ابن كثير عن أحمد رحمه اللّه في أهل الأهواء ، فهم مخالفون للكتاب ، مختلفون في الكتاب ، متفقون على مخالفة الكتاب .
قوله تعالى :
إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ
[ 39 ] .
أجمل ما يعلمون في ما الموصولة مما ، وقد بينه تعالى في عدة مراحل من تراب أولا ثم من نطفة . وتقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه بيان ذلك في أكثر من موضع ، وأصرح نص في ذلك قوله تعالى
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
[ المراسلات : 20 ] وقوله :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ
هامش
( 1 ) أخرجه : أبو داود في الأيمان والنذور حديث 3251 ، والترمذي في النذور والأيمان حديث 1535 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الأيمان والنذور 4 / 297 ، وأحمد في المسند 2 / 125 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الأيمان 10 / 29 .