فيقال : إنه سبحانه منزه عن الظرفية بالمعنى المعروف والمنصوص في حق المخلوق .
وقد دلت النصوص من السنة على نفي ذلك عنه تعالى واستحالته عقلا عليه سبحانه في حديث : « ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة أو دراهم في ترس ، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة ، وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف أحدكم » فانتفت ظرفية السماء له سبحانه على المعروف لنا ، ولأنه سبحانه مستو على عرشه .
وفيما قدمه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في هذا المبحث شفاء وغناء ، وللّه الحمد والمنة . قال القرطبي : إن في السماء بمعنى فوق السماء كقوله :
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ
[ التوبة : 2 ] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز .
وقيل : في بمعنى على كقوله :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
[ طه : 71 ] أي عليها إلى أن قال : والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل أو معاند ، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ووصفه بالعلو اه .
وهذا الذي ذكره هو عين مذهب السلف ، وقد ذكر كلاما آخر فيه التأويل وفيه التنزيه .
قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
[ 19 ] .
الطير صافات ، أي مادات أجنحتها . ويقبضن : أي يضمنها إلى أجسامها .
قال أبو حيان : عطف بالفعل ويقبضن على الاسم ، صافات ، ولم يعطف باسم قابضات ، لأن الأصل في الطيران هو بسط الجناح ، والقبض طارىء ، وهذا الذي قاله أبو حيان : جار على القاعدة عندهم من أن الاسم للدوام والثبوت ، والفعل للتجدد والحدوث ، فالحركة الدائمة في الطيران هي صف الجناح ، والجديد عليه هو القبض .
وقوله تعالى :
ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ
دليل على قدرته تعالى وآية لخلقه ، كما في قوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ النحل : 79 ] .