تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وقوله تعالى :
وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
[ 7 ] . نص على أنهم لا يتمنون الموت أبدا ، وأن السبب هو ما قدمت أيديهم ، ولكن ليبين ما هو ما قدمت أيديهم الذي منعهم من تمني الموت . وقال الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في إملائه . لا يتمنونه لشدة حرصهم على الحياة كما بينه تعالى قوله :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[ البقرة : 96 ] فشدة حرصهم على الحياة لعلمهم أنهم إذا ماتوا دخلوا النار ، ولو تمنوا لماتوا من حينهم . وقوله :
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
الباء سببية والمسبب انتفاء تمنيهم وما قدمت أيديهم من الكفر والمعاصي اه . والذي أشار إليه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، من الأسباب من كفرهم ومعاصيهم ، قد بينه تعالى في موضع آخر صريحا في قوله تعالى :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
[ آل عمران : 181 - 182 ] . فالباء هنا سببية أيضا أي ذوقوا عذاب الحريق بسبب ما قدمت أيديكم من هذه المذكورات ، ولهذا كله لن يتمنوا الموت ويود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، فقد أيقنوا الهلاك ويئسوا من الآخرة . كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
[ الممتحنة : 13 ] ولهذا كله لم يتمنوا الموت ، كما أخبر اللّه تعالى عنهم . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
[ 8 ] . أي إن فررتم من الموت بعدم تمنيه فلن يجعلكم تنجون منه وهو ملاقيكم لا محالة ، وملاقيكم بمعنى مدرككم ، كما في قوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ النساء : 78 ] . وقوله :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] .