تحملوه من التوراة وهم يعلمون ما فيها من رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أوضح اللّه تعالى هذا في موضع آخر في قوله تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 146 ] فقد جحدوا رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلم ينفعهم علمهم به .
وهذه الآية أشد ما ينبغي الحذر منها ، وخاصة لطلاب العلم وحملته ، كما قال تعالى :
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
[ الجمعة : 5 ] أي تشبيههم في هذا المثل بهذا لحيوان المعروف .
وقد سبق للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه الكلام على هذا المثال في عدة مواضع من الأضواء ، منها في الجزء الثاني عند قوله تعالى :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
[ الأعراف : 176 ] الآية .
ومنها في الجزء الثالث عند قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ
[ إبراهيم : 18 ] الآية .
ومنها في الجزء الرابع عند قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ
[ الكهف : 54 ] في سورة الكهف بما فيه الكفاية .
والذي ينبغي التنبيه عليه هو أن أكثر المفسرين يجعله من قبيل التشبيه المفرد ، وأن وجه الشبه فيه مفرد وهو عدم الانتفاع بالمحمول ، كالبيت الذي فيه :
كالعيس في البيداء يقتلها الظما * والماء فوق ظهورها محمول
والذي يظهر واللّه تعالى أعلم ، أنه من قبيل التشبيه التمثيلي لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتبا نافعة ، والحامل حمار لا علاقة له بها بخلاف ما في البيت ، لأن العيش يمكن أن تنتفع بالماء لو حصلت عليه ، والحمار لا ينتفع بالأسفار ولو نشرت بين عينيه ، وفيه إشارة إلى أن من موجبات نقل النبوة عن بني إسرائيل كلية أنهم وصلوا إلى حد الإياس من انتفاعهم بأمانة التبليغ والعمل ، فنقلها اللّه إلى قوم أحق بها وبالقيام بها .
قوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ 6 ] .