تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
الدعوة إلى الكفر باللّه والإشراك به دعوة إلى النار . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفر والإشراك باللّه مستوجب لدخول النار ، بينه تعالى في آياته كثيرة من كتابه كقوله :
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ
[ المائدة : 72 ] ، وقد قدمنا ما فيه كفاية من ذلك ، في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ
[ الحج : 31 ] الآية . قوله تعالى :
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 )
[ 44 - 45 ] . التحقيق الذي لا شك فيه ، أن هذا الكلام ، من كلام مؤمن آل فرعون الذي ذكر اللّه عنه ، وليس لموسى فيه دخل . وقوله
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ
[ 44 ] ، يعني أنهم يوم القيامة ، يعلمون صحة ما كان يقول لهم ، ويذكرون نصيحته ، فيندمون حيث لا ينفع الندم ، والآيات الدالة على مثل هذا من أن الكفار تنكشف لهم يوم القيامة حقائق ما كانوا يكذبون به في الدنيا كثيرة ، كقوله تعالى :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
( 67 ) [ الأنعام : 66 - 67 ] وقوله تعالى :
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
( 88 ) [ ص : 88 ] . وقوله تعالى :
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ( 4 ) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
( 5 ) [ النبأ : 4 - 5 ] وقوله تعالى :
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
( 4 ) [ التكاثر : 3 - 4 ] . وقوله تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( 22 ) [ ق : 22 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
دليل واضح على أن التوكل الصادق على اللّه ، وتفويض الأمور إليه ، سبب للحفظ والوقاية من كل سوء ، وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل ، كقولهم سها فسجد ، أي سجد لعلة سهوه ، وسرق فقطعت يده ، أي لعلة سرقته ، كما قدمناه مرارا . وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من كون التوكل على اللّه سببا للحفظ ، والوقاية من السوء ، جاء مبينا في آيات أخر ، كقوله تعالى
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطلاق : 3 ] . وقوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
[ آل عمران : 173 - 174 ] . وقد ذكرنا الآيات الدالة على ذلك بكثرة ، في أول سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى
أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا
( 2 ) [ الإسراء : 2 ] . والظاهر أن ما في قوله
سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
مصدرية ، أي فوقاه اللّه سيئات
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 57 | الشنقيطي