تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
المواضع فإن تعديتها إلى المفعول بنفسها صحيحة . ومن شواهد ذلك قول امرئ القيس :
ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
والمراد إنكار اللّه على المنافقين توليهم القوم الذين غضب اللّه عليهم ، وهم اليهود والكفار . وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي ، وقد صرح اللّه بالنهي عن ذلك في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين ، ولا من القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب اللّه عليهم من اليهود ، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
- إلى قوله -
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
[ النساء : 142 - 143 ] قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 )
[ 16 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة والأيمان جمع يمين ، وهي الحلف ، والجنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح ، والمعنى أنهم جعلوا الإيمان الكاذبة ، وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر ، ترسا لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم ، وقوله تعالى
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
الظاهر أنه من صد المتعدية ، وأن المفعول محذوف أي فصدوا غيرهم ممن أطاعهم لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد ، كما أوضحناه مرارا . وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة وهما كون المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة لتكون لهم جنة ، وأنهم يصدون غيرهم عن سبيل اللّه جاءا موضحين في آيات أخر من كتاب اللّه ، أما أيمانهم الكاذبة فقد بينها اللّه جل وعلا في آيات كثيرة ، كقوله تعالى في هذه السورة
وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 14 ) [ المجادلة : 14 ] ، وقوله تعالى
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
[ التوبة : 62 ] الآية ، وقوله تعالى :
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
[ التوبة : 95 ] الآية . وقوله تعالى
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 42 ) [ التوبة : 42 ] وقوله تعالى
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 2 ) [ المنافقون : 2 ] . وأما صدهم من أطاعهم عن سبيل اللّه فقد بينه اللّه في آيات من كتابه كقوله تعالى
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا
[ الأحزاب : 18 ] ، وقوله تعالى
يا أَيُّهَا